الاثنين، ديسمبر 24، 2012

سيجار...

أتدري ماذا أعني؟
أعني تلك اللحظات الجديدة علينا..
اللحظات التي لم نعشها من قبل..
قصيرة هي..
مختصرة هي..
وفي قصرها يكمن سرها..
فهي تترك الأثر المحبب الذي ينسينا واقعنا..فقط للحظاتها..

كانت لحظات تلك الليلة هكذا..
ليلة شتاء باردة..في شارع قديم هادئ..
جلسنا في حديقة "كافيه" راقي على مقعدين وثيران يتلاقيان عند منضدة عليها كوبان كبيران من شاي فاخر لم أر مثله من قبل...
رائحته العطرية فواحة كشجرة تم تقليمها وقت فجر ندي..
كانت أكفنا الباردة لا تدري كيف تُسكن شوقها للدفء...أبجيب المعطف الثقيل أم باحتضان كوب الشاي..

نظرت الى أعلى لأريح رقبتي التي آلمتني من النظر بجانبي إليه...فلم نكن نجلس متقابلين..نظرت الى أعلى فرأيت القمر بدراً...تجري عليه غيوم تكثفت بسواد الليل..فهنيهة تستره وهنيهتان تكشف لعيني ضوءه الفضي الساحر..
تنفست بعمق وكأنني أُدخل صدري من رحيق القمر بعضاً من نور وجمال..

ابتسمت إعجاباً بالحياة...إعجابا بلحظات الحياة تلك..

واستقرت ابتسامتي بقلبي وسكنت حين جاء صوت "فيروز" خافتاً من سماعة ما تدثرت بشجيرات تحيط بنا..
كانت "فيروز" تسأل حبيبها... "تذكر آخر مرة شفتك سنتها"...
ووجدتني أتذكر...

ثم نظرت إليه..فرأيت إبتسامة معجبة بالحياة...وعين مستقرة علي...عين لم تر القمر الذي تداعبه ستائر الغيوم..عين لم تنتبه لصوت فيروز المختبئ بين أوراق النباتات الخضراء والحمراء..عين لم تنتبه للذكري التي تساءلت عنها "فيروز"....
عين استقرت عليّ  أنا كمصدر الإعجاب باللحظة..

هالتني المسئولية وتمنيت الإختفاء بداخلي..ولا أدري..أكان الخفر أم كان الخوف!

إرتشفنا من أكوابنا العطرة...ولم يتركني أذوب بداخلي أو أستجمع إرادة للرحيل..وبدأ الحديث الدافئ..في ليلة الشتاء الباردة..أكثر سخونة من كوب الشاي وسحر القمر وعذب صوت السيدة.

وفي لحظة ساحرة..أشعل سيجار غليظ..كدت أن أضحك لما يحاكي المشهد ما أراه في أفلام غربية تحلو فيها المَشَاهد لأنها فقط..مشاهد.
إلا أنها لحظة خلت من الافتعال..بل عانقت رائحة السيجار الليل وقمره والهواء البارد ودفئ الحديث وعبير الشاي..

وأصبحت للحظة ذكرى عطرة..

أتعرف تلك الذكريات..التي ان تتذكرها تملأ أنفك وصدرك برائحة خاصة تجوب عقلك بجنون..تلك الذكريات التي تكاد تقسم وقتها إنك تشُم فعلاً رائحة اللحظة..

ربما كان اختلاف اللحظة عن كل اللحظات هو ما جعلنا ننسى الوقت والآخرين والحسابات...فقط تحدثنا...عن جرح فات...عن حب فات..عن ألم فات..عن خوف آتٍ آت..

وبعد دقائق دقت ساعة الرحيل...وقت نهاية كل بداية...

وافترقنا عند لحظة ثمينة...فيها سعد كل منا بما حمله من غنائم الليلة..

ذكرى عطرة برائحة السيجار وبرد الشتاء وضوء ساحر وصوت الذكرى...

الأحد، أغسطس 26، 2012

حنّاء

 
هكذا عرف أكفهن..محنّاة بلون نُحاسي خضب جلدهن..
كل نساء قريته ذوات أكف ملونة..كلهن سمراوات بلون شاطئ نيل أسوان الجميله..كلهن ذو صوت واحد ولكنة واحدة..كلهن يعشقن الأقراط الذهبية..كلهن يتشحن أثواباً ملونة من قمة رأسهن حتى كعوبهن المخضبة ..أيضاً.
 
رآهن  مخضبات نُحاسيات سمراوات يبرقن بأقراط ذهبية كبيرة متدلية وتغطيهن أثواب ملونة...عرف فاقع الألوان حتى زهدها.
 
عرف "اللون" كثيراً كثيراً حتى صار لا ير ألواناً..كانت الألوان في عينيه هامدة كلون حائط زنزانة نظر إليه المسجون مدى الحياة.
 
وكان عندما يرى بعض السائحين اللذين يطوفون بحارات قريته أحياناً نادرة -لبُعد بيته عن مناطق الجذب السياحية في أسوان- كان يفقد الإحساس بالزمن ولا يفقه إلا ما يراه...  كان يرى في باهت بياض بشرتهم وباهت شعرهم  الأشقر وقلة ثنايا أجسادهن - كان يرى بهم ألوان الطيف كلها..
فكان يتنعم بالنظر إليهم وكأنه في حديقة غناء في عز زهو الربيع..لم تكن شهوة يخص بها النساء..كان إستملاء بَصر بالمختلف..
حتى أنّ في يوم ، مر عليه سائح عجوز وزوجته ليتفقدا النقش البارز الذي حفره ولونه جده الكبير في دكان البَهّار الذي تمتلكه عائلته..وبعد أن صورا الحائط..إبتسما كثيراً وشكراه ومد الرجل يده ليصافحه..فنظر مطولاً إلى لون كفه الأبيض الباهت الخالي من الخضاب..ثم ناوله كفه مصافحاً بسعادة كبيرة..
 
كان فتىً في مقتبل العمر وكان يتمنى أن يسمح له جده بالدراسة في إحدى المدن البعيدة..وكان جده يحبه كثيراً ويرى به أكبر أبناءه الذى مات وترك الفتى يتيماً..فكان يرفض دائماً حتى نجح الفتى بتفوق بشهادته الثانوية ثم أضرب عن الطعام حتى يسمح له جده بالسفر..وسمح له جده على مضض.
 
وهناك..في أجواء البنادر الملوثة بالعوادم..رأى أكفاً كثيرة لا تعرف الخضاب إلا عندما تتزوج إحداهن..رأى كعوباً بيضاء بلا حُمرة أو سوداء جافة تدل على شقاء مُصاحبة أتربة شوارع المدينة المُرة القاسية..فتنفس مستمتعاً بألوان زاهية تملأ ناظريه..
 
ورآها ذات صباح تجلس على أحد أرصفة حديقة الكُلية..وأحب قدماها الصغيرتان اللتان ظهرتا من حذاء لا يربط جنباته إلا خيوطاً جلدية ملونة تقيد قدماها البيضاوتان اللطيفتان إلى النعلين..
كانت بيضاء..ذو شعر بلون جذوع الأشجار يلمع تحت وهج شمس الصيف الساخنة..وكانت ما إن رأته تبتسم للُطف تقاسيمه وإبتسامته الواسعة ذات الأسنان البيضاء كشراع  الشتاء..
 
لكنه مع الوقت عرف أنها صعبة المنال بقدر صعوبة موافقة جده على أن يتقدم لإحدى بنات المدينة البعيدة..
 
ومرض الجد..وعاد الفتى إلى قريته..وأصر الجد بقوة -رغم وهنه الشديد- أن يزوجه..وتم الإتفاق مع عم له -لا يرتاح إليه كثيراً- على أن يزوجه إبنته الحسناء السمينة..
وافق العم وأطرق الفتى غير معارض..حتى إن كان يوم الحناء ، ذهب إلى بيت عمه القاطن بأول حارتهم ونادى على أخو العروس..نظر في عينيه وهو يحبس أنفاسه إهتماماً ..وهو يتصبب عرقاً ..وهو يُقلِص عضلات وجهه كأن ما يريد أن يتفوه به يصعب نطقه من خطورة معناه له..فأوجس ابن العم خيفة وأنصت إليه في ذعر،
 
حتى قال: "إستمع إلى جيداً فلن أقبل في الأمر نقاش..قل لها: لا حنّاء!"
 
 
 
 
 

السبت، يناير 28، 2012

اليوم الرابع للثورة

بمناسبة ذكرى 28 يناير...بفتكر معاكم الشهداء اللى ضحوا عشاننا كلنا بفصل من كتابى : تحرير ميدانى

مش فاكرة كان بقالى قد ايه مصليتش فى المسجد...بإستثناء صلاة العيد...يمكن كان بقالى أربع سنين...يمكن من يوم ما صليت على أبويا الله يرحمه...
بس اليوم ده كان لازم ألبى الدعوة...
كان عندى شىء عجيب شاددنى إنى أبقى فى وسط المتظاهرين فى اليوم ده...كنت عايزة اعمل حاجة بقى...كان نفسى صوتى يطلع معاهم...كان نفسى صوتى يختفى فى صوتهم العالى...
كانت الدعوة ان نصلى الجمعة ونتحرك على ميدان الحدث...التحرير العظيم...
وتسائلت فى بالى : "مين العبقرى اللى سمى الميدان ده ميدان التحرير؟"
ودخلت المسجد...
وأنا حاسه إنى داخله جوه معنى الهيبة...جوه معنى القرب...جوه معنى الاتصال بالأعلى...
وصليت...فى صمت داخلى كبير...من غير تلاحق أفكار...من غير إحساس بعالم جنبى وقدامى وورايا...
وخلصت الصلاة وانا على هذا الحال...قابلت أصدقاء رايحين المظاهرة برضوا...ما شاركتهمش عربية...كنت مفضلة الوحدة...كنت عايزة أستفرد بأحاسيس نقلتنى لتفسير جديد لكلمة حياة...
وأنا فى الطريق كان قدام عينى صورة ولادى قاعدين على الكنبة بيتفرجوا على الكرتون...بس فى ودانى صوت بيتردد عالى...صوت الثوار...
وأنا فى الطريق فكرت ميت مره إنى أرجع عشان ولادى...بس مرجعتش...
وفجأة وفى نص السكة وقبل التحرير بكتير...الطريق إزدحم بصخب ناس بتجرى يمين وشمال...مظاهرة وعربيات أمن...بصيت فى المراية ورايا مشفتش أصحابى...حاولت ألاقى حتة الف بيها من ورا الصخب عشان أكمل مسيرتى...لقيت عربيات بتحاول تدخل شارع جانبى...
حاولت اوصل للشارع ده فى الوقت اللى ميكروباص خبط عربيتى من جهة اليمين وخبط واحدة ست...
وقفت...وقلبى وقف...وكل عصب فى جسمى انهار...مش عارفة ازاى نزلت...ولا عارفة ازاى شفت ولا ازاى رجليا شالتنى...الست اللى وقعت كانت كبيرة ومحجبة...الست اللى وقعت كانت رجليها كلها متعرية...راسها على بُعد نص متر من عربيتى...ورجليها على بعد سنتى من الميكروباص...
غطيتها وانا مش شايفه بين دموعى...وصوتى اتحشرج فى كلام بصريخ تلات ارباعه مش مفهوم...
ونزل اتنين من الميكروباص...وفهمت على طول انهم امن...زى اللى شفتهم تانى يوم للثورة فى وسط البلد بيقربوا من الناس فى التحرير وفجأة ايديهم تقبض ع الواحد من دول وفى ثانية تشده جوع العربية ترميه فيها...حاولت ارفع الست مفيش اعصاب..ولا قوة...كأن رجليا وايديا بقوا هلام...رفعها معايا الامن...حطوها جنب الرصيف كانه قط ميت...
مكنش فيه دم...ومكنش باين على الخبطة انها تموت...فهمت انها تقريباً مغمى عليها...وفضل صوتى المموهة فيه الكلمات يحاول يصرخ فيهم...كنت بصرخ وانا برجع بخطواتى لورا بس بصلهم..ووصلت جنب باب عربيتى..
عقلى  كان بيقوللى ان كلامى هو :"حرام عليكوا" "كفره" "حسبى الله ونعم الوكيل" "يا ولاد الكلب"
وبرضه مش شايفه ملامحهم اوى من دموعى...كانى بصرخ فى بُعد تانى...
واحد تالت نزل من الميكروباص لابس جاكيت جلد بنى...خبط بايده جامد اوى اوى على عربيتى وقاللى:" ها...حتركبى العربية دى ولا دى" وهو بيشاور على عربيتهم فى تهديد واضح انه " يا تمشى يا حتيجى معانا"
فى اللحظة دى استوعبت ان الغاز المسيل للدموع كان مالى المكان...والحرقان اللى فى صدرى كان بيخنقنى...
بصيت على الست لقيت دماغها بتتحرك...ومكنش عندى شك انى لازم امشى...
اللى خفته قبل كده فى حياتى مكنش خوف....
واللى اترعبته قبل كده فى حياتى مكنش رعب....
لانى عمرى ما سمعت صوت الخوف بيكلمنى او بيهددنى...
وعمرى ما شفت الرعب بعينى بيخبط فى الناس او بيمسكهم...
واتبدد صوت الثوار اللى فى دماغى...واتبدد صوت الناس اللى حواليا بيهتفوا او بيجروا او بيعملوا كلاكسات...
واتحولت صورة ولادى وهما قاعدين على الكنبة بيتفرجوا على الكرتون الى صوتهم بيندهنى...مش لانهم محتاجينلى...
لا...بيندهونى عشان انا اطمئن فى حضنهم...
وبدل ما أدخل الشارع الجانبى لفيت فى الاتجاه المعاكس عشان ارجع البيت....
وفى الطريق مش شايفه ادامى من كتر الدموع...دموع من الغاز ودموع من الحُرقة...مش مجرد بُكا...مش عارفة ايه...
ووصلت البيت مش عارفة ازاى...انا مش فاكرة الشارع ولا الماريين جنبى ولا اى شىء...
وصلت ومحضنتش ولادى...
دخلت تحت الدش بحاول اغسل اثر الغاز من على جلدى...وابتديت اعيط...اعيط بصوت...اعيط على الست واعيط على نفسى...واعيط من الخوف...واعيط على ولادى...واعيط على التحرير...واعيط ان صوتى مطلعش...واعيط انى مش حمشى مع الثوار...
وفضلت كتير مستخبية فى المية...مستخبية فى دفاها وانسيابها وكأنها ساتر..كأنها درع...
كنت عارفة انى لما حخرج من الحمام حاواجه خوفى تانى...حواجه خوف امى...وكلامها وصوتها العالى...
وزى اى ساتر..حديدٍ كان او مية...لازم نشيله ولازم نواجه وبعد المواجهة بتيجى قوة...
الاعصاب البايظة بتتصلح والجسم المنهار بيقوى...
بس صورة الست اللى غطيت رجليها مكنتش بتسيب عينيا...فضلت أدعيلها بينى وبين نفسى...وابلع غصة بتخنق حلقى...
سمعت من امى كتير...سمعت من غير ما ارد ولا ابصلها...كنت بستوعب احساسى تانى...كنت بصّة لولادى بدور فيهم على خوف...بس لحظتها المدد جه منهم...مكنوش خايفين...كانوا بيحضنونى ويشتكولى من شقاوة بعض.. عادى...زى العادى...
شوية وتم اعلان خبر حظر التجول...وبسرعة حسبت انا معايا فلوس كام وعندى اكل ايه فى البيت...وقبل ما اخلص الحسبة جتلى صديقة قديمة فجأة ...طبعاً بما ان مفيش موبايلات شغالة...
كانت الساعة تقريباً خمسة...والحظر اللى أعلن عنه الساعة ستة...
قالتلى: "البسى...لازم تلحقى تجيبى اى حاجة ناقصة من البيت لولادك لان البلد كلها بتقفل"
وناولتنى ظرف فيه فلوس...وزقتنى على اوضتى عشان البس...حاولت اعترض واشكرها بس رفضت تدينى فرصة اتكلم...
من جوايا كنت عارفة انى مش لازم ارفض لانى ببساطة فى أمس الحاجة ليهم بس برضه كان صعب عليا اقبل...عادة فى حياتى انا اللى بدى مش انا اللى باخد...او يمكن مش معتادة جدعنة من حد...
بس يمكن الاحساس العام اللى خلا كل الناس يجتمعوا على راى وقضية زى الحرية والتغيير خلونى احس انى ينفع اقبل جدعنة صاحبتى...احياناً قبول الحُب من الآخر بيحتاج قوة زى العطاء بالظبط...لكن اللى بيسهل القوة على الأخذ هو الإحساس بصدق الحب وصدق الجدعنة وصدق العطاء...ياما ناس تعرض من غير نفس ولا روح..وياما ناس بتاخد من غير شكر ولا تقدير...
ويمكن كمان ان احساس حظر التجول اللى كان بالنسبة لى كأن حد بيقوللى :"يلا يا حلوة...ادخلى الزنزانة دى من الساعة ستة لتانى يوم الساعة تمانية" كان محسسنى ان السند الوحيد فى الاحوال دى هو الكاش!
لبست ونزلت ولقينا المحلات اللى فى الشارع كلها بتقفل واحد ورا التانى...زى قطع الدومينو لما واحدة تنزل ع التانية ويبتدى سلسال السقوط...المحلات كانت كده..ابواب بتتقفل واحد ورا التانى وكله بيجرى عشان يلحق...لحقت سوبر ماركت واحد بالعافية واشتريت لولادى لبن وعيش وجبنة وإشتريت علبة سجايرورجعت البيت...
التليفزيون كان عينيا ودليلى وقلبى كان متعلق بالميدان...
وشفت بعينى الناس اللى اتفرمت تحت عجلات العربات المصفحة وصرخت!
وشفت بعينى الناس اللى كانت بتصلى واترشت بخراطيم المية وصرخت!
وشفت الف قنبلة غاز مسيل للدموع بتترمى على الناس وصرخت!
صرخت عشان كان نفسى ادافع عنهم وصرخت لانى ضعفت ورجعت ولان عندى ولاد صغيرين وصرخت من احساس فظيع بالقهر والظلم وقلة الحيلة قدام قوات امن بتضرب وتقتل فى الناس العُزّل...
مبقتش دموعى مُسيلة بغاز...بقت دموعى مُسيلة بحُرقة ظلم وقتل لناس حتة منى...
وجت اخبار انسحاب الشرطة بسرعة...وجت اخبار البلطجية اللى انتشروا فى البلد اسرع...
وابتدت الحرب...

الأربعاء، أكتوبر 19، 2011

فى التابلوه...

مبتردش...لحقت وصلت البيت؟؟ النهارده الخميس والدنيا زحمة...لحقت ازاى...اكيد مش فى البيت...طيب فين؟؟ بنت الـ.........
وصلت البيت يبقى خلاص كده...لغاية بكرة بالليل مش حاعرف اكلمها...وطبعاً سابت الموبايل فى تابلوه العربية...وانا اولع...اتحرق...انا مش مهم!!

انا مزودها...انا اديتها اكبر من حجمها..دى يدوبك صاحبتى مش حتى حبيبتى ولا عشيقتى...ولا هى اكتر من كده وانا صدقتها وصدقت نفسى ان احنا انتيم وبس...لا...هى صاحبتى الانتيم بس...بس برضه...التعود وحش...اتعودت احكيلها كل حاجة...اكلمها فى كل حاجة وفى اى وقت ...الا الخميس بالليل لحد الجمعة بالليل...تحطنى...قصدى تحط الموبايل فى تابلوه العربية عشان جوزها...

جوزها طبعاً ميقدرش الصداقة اللى بينا فكان لازم ابقى سر...

جوزها...طبعاً معاها دلوقتى طبعاً...وحيفضل معاها طول الليل...وحيصحوا بكرة مع بعض...حتعملّه قهوة..وحتحضرلهّ الفطار وحيخرجوا لحد بالليل وبعدين حيسيبها عشان يقابل اصحابه وهى حتكلمنى...

جوزها...الباشا المدّلع...معاه ست قمر..دماغ ايه وشخصية ايه وانوثة ايه ورقة ايه وست بيت فلة...مش زى انا...لوحدى..باكل لوحدى وبعمل كل حاجة لنفسى...اما اقوم اعمل كوباية قهوة...


كانت عايزاها قعدة البلكونة والقهوة والرغى وسيجارتين...وحشتنى...بس مخنوق انى كل شوية بمسك الموبايل بحكم العادة عشان اكلمها اقولها حاجة والاقيها مبتردش...أحا...وانا حياتى تبقى وقفة على واحدة كده؟؟ دى متخلقتش...
انا قلبى واجعنى...عايزها...عايز اكلمها...طب اشغل نفسى بحاجة...انزل اعدى على حد من العيال اصحابى نخرج ولا اى حاجة اعدى بيها الليلة...


كده الف بالعربية فى الروقان بلا اصحاب لا نيلة...مش عايز حد...
اسوق براحتى بسرعة واعلى صوت المزيكا كمان...هى مش معايا عشان تخاف من سواقتى ولا تقوللى اوطى المزيكا عشان تعرف تكلمنى...
لو كانت معايا كانت اتبسطت ...الجو حلو الليلة دى والشوارع هادية...
ايه ده...عربيتها مش تحت البيت...اما هى فين؟؟


لا لا لا بجد كده كتير...انا مالى...حصلى ايه...كل ده عشان واحشنى اتصال منها...كل ده عشان مش حعرف ارغى معاها براحتى واحكيلها على مغامراتى مع الجيران ولا ابن عمى الغلس ولا مشاكلى مع ابويا ولا البت اللى بترسم عليا فى الشغل...لا بجد كده مينفعش...انا غلطان اصلاً إنى سبت نفسى اتعلق بصاحبه واحده بس وبعدت عن سالم ومعتز وناس كتير عشان مكنتش بحب اخرج معاهم واضيع فرصة كلام كتير فى مكالمات كل يوم...انا اللى غلطان...ولازم اظبط دنيتى كده مش حينفع...
الصحاب كتير ...بنات وولاد...بس لو كلمت الشلة حيفشخونى عشان مطنشهم بقالى شهور ودلوقتى ظهرت تانى...
لا لا انا اتعرف على ناس جديدة...عشان بقى هى تبقى متواجدة او مطنشانى مش مهم ...حلاقى ساعتها ميت حد يونسنى...
يلعن ابو الوحدة اللى مبهدلة الواحد كده

انا حرجع البيت وحفتح الفيس بوك تانى


الله الله هو ده الكلام...اما انا عبيط صحيح...عندى تلتميت صاحب على الفيس بوك وقاعد زى المِطَلَقَة كده ابص على التليفون واتنهد...عيش يا عم...عيش

ايه ده...رسالة من اميرة...البت دى لذيذة...لو ترضى تخرج دلوقتى يبقى هايل...اهو اى حاجة تعدى الليلة وبكرة نبقى نشوف

عايزة نمرتى؟؟ اوبببا...لو اديتها النمرة حتتصل ادامها وحتعرف انى بعُط!
ايوة...حديها الخط القديم واكلم فودازفت يشغلوه تانى عشان ابقى فى الامان

قشطة!! النمرة اشتغلت واميرة حتقابلنى...قشطة يا ميرو...ميرو ضايعة أصلاً وفاقدة زى حالاتى

الساعة  واحدة...زمانها نامت صح؟؟ يعنى مش معقول حتبقى لسه بره وممكن تشوفنى مع ميرو فى العربية...كده تمام جداً...اخلى تليفونى فى البيت بقى وآخد معايا الخط بتاع ميرو بس

- ميرو: انت يا ولد...احنا قلنا نتمشى بالعربية ع الصحراوى..ممكن اعرف بنعمل ايه بقالنا ساعة لفلفة فى شيراتون؟؟
- حتفرق فى ايه...الشوارع فاضية زى الصحراوى واحنا بقينا الفجر...كملى بس الحكاية...ها...وبعدين...ايه اللى خلاكى ترجعيله تانى؟؟
- ميرو: اصله بصراحة طلع شهم...حاحكيلك عمل ايه...

البت دى صوتها مستفز...وكل شوية وهى بتحكى تخبطنى فى كتفى...بجد رخمة...

العربية لسه مش تحت البيت..ولا حتى راكنة فى الجراج اللى ورا...الف تانى ابص يمكن راكنة بعيد وانا مشفتهاش...كده اميرة حتاخد بالها...وانا تعبت...رجليا نملت من السواقة ودماغى وجعتنى من الرغى...وجعان...عايز آكل كبده بس مش من بنجر بتاع ميدان الجامع ...وجعلى بطنى آخر مرة...اكلمها أسألها آكل منين؟؟ يا دى الغباوة بقى...انا حوصل البت دى وحروح انام...


اليوم اهو عدى والنهار قرب يطلع...مش لاقى ركنة...لأ...لقيت..والحمد لله انها قريبة انا مش قادر امشى...


دى حتقع من الضحك لو حكيتلها على ميرو الخنيقة...مش حقولها فيس بوك وحوارات...حقولها قابلتها صدفة وانا بتمشى بالعربية...آه...وفيها ايه...ما احنا اصحاب بس وعادى يعنى...

أسيب بقى الموبايل ده فى التابلوه واطلع اشوف يمكن..يمكن كلمتنى...ولو متكلمتش..اهو بكرة جه وعقبال ما انام واقوم تكون ظهرت...




إهداء...الى الجنوبى

السبت، أكتوبر 01، 2011

ويك إند

مبحبش الويك إند
بكرهه
ولأ...مبرتحش من الشغل...
ولأ...مبحبش الهدوء...
ولأ...معنديش حد أخرج معاه وأكلمه ولا عندى روح أسترخى...ولا عايزة يبقى عندى حد أخرج معاه وأكلمه...ولا عايزة أسترخى
أسترخى يعنى أهدا...يعنى أفكر...يعنى الدنيا تبقى واضحة ف بالى والدوشة تهدا والصورة تبان وأشوف...
أشوف إنى لوحدى...من غيرك...

الويك إند يعنى أجازة...مش أنا آخد أجازة...يعنى أنا يتاخد منى أجازة...يعنى أنا أرجع مكانى...يعنى أنا أبقى "الست التانية" رسمى...يعنى أنا أبقى ع الكنبة أدام التليفزيون ببص للساعة عشان الوقت يعدى ويخلص الخميس اللى الناس كلها بتخرج فيه ده ويجى الجمعة اللى بتاخد فيه مراتك والعيال وتطلعوا العين السخنة ويجى السبت اللى بترجعوا فيه وتقضوا بقيته فى البيت...

أيام...مكررة...بتعدى...بالنسبة لك...بس أنا لأ...مبتعديش...
الويك إند مبتعديش...
الخميس بيعدى بالعافية...التليفزيون بيبقى شغال...بيونسنى بس مش بيونسنى...صوت...صور...حكايات بيمثلوها عشان يسلونى...ومش بتسلى...مش بركز فى الحدوتة اللى بتفرج عليها...بركز فى الحدوتة اللى عايشاها...بفكر...فيك...وفيها...وفى الزيارات العائلية اللى أنا مش جزء منك فيها...وبفكر ساعات إنك بتفتكرنى وإنت معاهم...بس بدمّع لما بحس إنك اأيد مش بتفكر...الرجالة مش بتفكر...صح...صح؟؟
والجمعة مش بيعدى خالص...بفكر إنك صحيت متأخر زي...بفكر إنك نزلت تصلى...وبفكر...ليه مش بتكلمنى بعد الصلاة أو قبلها..ما إنت أكيد بتبقى لوحدك...وبفكر إنك ممكن تفكر فيا وإنت سايق طريق السخنة...بس بفكر إن أكيد بتتكلم معاهم...مشغول بيهم...وبفكر إنك وصلت...وأكيد حتنزل المية...وأكيد حتلعب مع الولاد وضحككوا حيملا الدنيا...
وبشرب نسكافية وأدخن ميت سيجارة أطفى بيها نارى فتزيدها...وبدخل أحط راسى تحت المية عشان نص ساعة كمان تعدى وبفكر...حتعوم معاها؟؟ حتحضنها فى المية؟؟ عادى...ادام الناس...عادى حتضحكوا...عادى حتاكلوا سوا وترغوا وتبص فى عينيها...وعادى الساعات حتمر بسرعة ويقولولك ان نفسهم يفضلوا كام يوم...كل أسبوع فى الصيف ببقى مرعوبة تقولهم حاضر وتفضلوا أيام زيادة..ايام من اللى مش بتعدى دى...وكل يوم جمعة بتمنى الشتاء يجي عشان يبقى فيه مدارس ومينفعش ابداً انكم تسافروا الا كل شهر مرة...مع انى برضه مش بشوفك الجمعة...برضة جمعتى مش بتعدى...


برضه تليفونى مش بيرن...برضه مبتبعتليش رسايل...برضه مش بسمع صوتك اللى بيطمنى ويسكن وجعى ويسكت أفكارى ويهدى قلقى ويطبطب عليا ويدينى أهمية انا محتاجلها اوى...اوى...اووووووى...


وأسوأ ما فى الجمعة ليله...لانه ليل ساعته بسنة...وحدتة بتقتل...ظلامه بيوجعنى...بنام فى السرير وانا حاسة ان فيه وحش اسمه الأرق حيلتهمنى لانى فريسة وحيدة...ووحش تانى اسمه الغيرة بتقطعنى لأنى فريسة مستخبية...لأنى راضية بحتة بدل ما أرضا بكل...لأنى جزء من جزء من حياتك ولأنك كل جزء فى حياتى...ويطير أى نوم بتمناه كأنه الجنة ، بس لأنه حيضَيَع ساعات من الساعات الطويلة اللى بستناك فيها...اطلع البلكونة...اتفرج ع الشارع اشوف ناس..زيك وزيها وزي ولادكوا راجعين من خروجه او من سفر...عربيات بتركن وشنط بتتشال ودوشة عيال...وراجل...وعيلته...راجل...زيك...ابص للقمر ملقاهوش...ابص للسما...سما الجمعة...سماه بتقتلنى...لانى عارفة ان صبح السبت حيجى وبرضه مش حشوفك لما ترجع...


والسبت بيعدى...بيعدى زى ما يكون طن حديد معدى على ضهر سلحفة...وكل سبت اتغاظ منك...ابقى عايزة اضربك واشتمك واصرخ فيك...لانك قريب منى بس برضه مش معايا...لانك برضه لسه متصلتش ولسه مبعتليش حتى رسالة فاضية تطمنى عليك...انا مببقاش عايزة اطمن عليك..ببقى عايزة اطمن بيك...وبشغل نفسى بزيارة الكوافير استعداداً ليوم الحد...وشراء لوازم غدوة يوم الحد...وشرا قميص نوم جديد عشان يوم الحد...وتوضيب البيت ومكوى الملايات والفوط والمفارش...وبتعذب...بتعذب من آخر كام ساعة انتظار...بتعذب انى باخد شوية مش كل حاجة...بتعذب انك وحشتنى وبتقطع من غيرك...وبتمنى ابقى علن...وضوح...بتمنى امشى معاك فى الشارع ايدى فى ايدك والناس يسلموا علينا...بتمنى اشوفك فى اى منطقة مش بس عند مكان سكنى البعيد عن كل حى تعرفه...بتمنى ابقى فى حضنك كل يوم وانت نايم...بتمناك...


بس...بفكر...يا ترى...انهى احسن...ابقى الست اللى بتحب تجرى عليها كل ما تقدر ولو قليل...ولا الست اللى معاها على طول وانت عايز غيرها...ابقى الأداة ولا أبقى المغفلة...أبقى مضحوك عليا بحب مؤقت عشان يبقى ملاذ شغفك وشهوتك ولا مضحوك عليا عمر بحاله باخلاص مصطنع...


وباختار ابقى الأولى...باختار اكره الويك اند...

الاثنين، سبتمبر 19، 2011

ولم تلمس قدماها الماء

كان الليل قد إنتصف ...كانت ليلة تدلى فيها الصيف قرب الشتاء
وكانت هى شاردة طوال الطريق..لا تعلم ماذا تريد من وراء القيادة ليلاً بهذا الطريق المهجور لتسافر اليه...القيادة ليلاً وسط أجواء غير آمنة...
كانت تعلم أنها لم تعد تحبه...بل لا يأكلها الإشتياق إليه...وكانت خائفة...من ظلمة الطريق...من رؤياه بعد كل تلك السنوات ...بليلة مثل تلك وبمثل هذا المزاج الحزين اللا واعى...وهذا الضباب الذى تكثف برأسها...

كادت أن تصل الى مكان اللقاء عندما رنّ هاتفها مُعلناً إسمه وصورته...ردت...وجاء صوته بعيداً..خافتاً..غريباً بعض الشىء عليها..وطمأنها أنه ينتظرها ..فلم تطمئن...

وصلت لتجده بسيارته...نظرت اليه نظرة خاطفة قبل ان يتحرك مشيراً لها أن تتبعه...كان عجوزاً...ليس عجز المتقدم بالعمر...بل عجزٍ غريب...وكأن روحه قد هَرِمَتْ...

كان عجزاً صامتاً وكأنه صورة بالرصاص لوجه رجل قد رسم الزمان على وجهه مئات الخرائط...

تبعته بطُرق خالية من المارة...طرق عديدة أخذتها بدوائر زادت من دوار أحست به وإقترن بمغص بمعدتها لازمها منذ بدأت الطريق...الطريق الى الماضى المؤدى إليه...

توقف أما بوابة حديدية كبيرة...توقفت أمامه...نزل من السيارة ووقف منتظرا لها...لملمت أشياءها المبعثرةِ - كروحها - ونزلت إليه...تبادلا نظرة وإبتسامة موجزة...لم تحمل من المعانى إلا إقرار تقابلهما...

صعد درجتين للسلم...وداس على زر ففتحت البوابة...صعدت وراءه ودخلت من البوابة لترى حديقة صغيرة..أنيقة..كل ما فيها يُشبع ذوقه ورغباته الذى تعرفها عن ظهر قلب...كل ما بالحديقة كان لراحته ..بقليل من المبالغة الأنيقة..تماماً كنفسه..
مشت وراءه حتى جلسا...نظرت بجانبها لترى حمام سباحة يلمع بألوان فسيفساء أزرق غَلَفَت قاعه...
كان صوت المياة التى تتأرجح على درجات سلمه الدائرية يضيف لرومانسية الليل وسكونه رومانسية مفترضة!
وظل صوت الماء يرن كأجراس متناهية الصغر تتراقص بسحابة تعتليها..وكأنه صوت نجوم تتلألأ...وكانت تسمع الصوت الذى بات يتضخم برأسها...إلا أنه لم يحرك بها شاعرية لطالما إعتنقتها..

نظرت إليه..مدققة به..رأت إبتسامته رغم خفوت الضوء...عبر لها عن شوقه...ولم تتحرك بقلبها مشاعر مماثلة...لمسها...فلم تتحرك أعصابها...لمسته...فتحرك  إليها..

إبتعدت قليلاً...ونظرت إلى ملامحه ثانية..حاولت أن تدقق النظر بعيناه...بحثت عنه فيهما...لم ترى إلا إحمراراً ملتهباً ونظرات زائغة مموهة ملأها دُخان حشيشه حتى عماه!

حاولت إجترار مشاعر الماضى...حنان الماضى...شبق الماضى...

سألته:- عارف مرّ قد إيه؟

أجابها بإبتسامة:- سنتين؟؟

أجابته:- خمسة!!

أجابها هامساً: -قَرَبى...

إقتربت لتريح رأسها على كتفه...إستغربت رائحته...عطر مختلف غير الذى أحبته...
لمست ما تبقى من شعره...لم  يعبر عن حبه للمساتها كما إعتاد...

لمس ظهرها...أسكت الكلام...حاولت أن تُسكت إمتعاض لم تعرف مصدره...حاولت أن تبحث عن بقايا عشقها لها...وخطر ببالها أن تسأل كيف ضحت بحياتها يوماً له...كيف سكنت دموعها براحتيه سنيناً...كيف كانت بسمته شمسها وعينيه أقمارها...إلا أنها أخرست السؤال..

لمس بطنها...فإحتضنته بقوة وكأنها تستعصر منه أى معنىً يقربها إليه...إلا أن ما تفجر بصدرها هو المعنى الحقيقى الذى خَلَفَهُ بداخلها...معناه الحقيقى لها...

إعتدلت ونطقت همساً...ورد عليها فحيحاً...

- أنا  مش فاكرة الطريق لهنا...حتوه وأنا ماشية...
- الصبح حوصلك
- لأ...أنا حمشى دلوقتى

إلتفت قليلاً مشيراً بعينيه إلى حمام السباحة وقال مبتسماً:
- مش حنعوم مع بعض؟
- لأ...
- مفيش مايوه؟
- فيه...
- طيب ايه؟
- مش مرتاحة..فيه حاجة...فيه حاجة مختلفة..
- لأ...بليز...بلاش فلسفة ورغى...قربى..

بهذه اللحظة ودت لو ضربته..صرخت به..مزقته..لكنها فقط نظرت إليه ثانية..وكادت أن تقسم أنه لا يراها...ربما لا يعرف من هى..فعيناه الذهبية التى لم يفلح إحمرارها أن يطفىء بريقها تنظر إليها نظرة جائعة بلا شعور..وإبتسامته التى أظهرت أسنانه الناهمة بثت فيها شعوراً منفراً...

- مش عارفة ازاى...بس الليلة دى بس أنا شفتك بجد لأول مرة
- أنا مش فاهم...
- عينيك عينين ضبع...ريحتك ضبع...لمستك ضبع...اللى عملته معايا طول عمرك...ضبع..

وضحكت عالياً ضحكةً أخرجت قليلاً من ألم خنقها..
- بصى...انا معمى سجاير...تعالى نطلع فوق...

قامت من مكانها...نظرت إلى البوابة للحظات..ثم عدلت وجهتها...وتبعته إلى داخل الفيلا...

تعانقا للحظات...بلا حرارة...بلا حنان...وبذات الهمس...وذات الفحيح...وإشتد الظلام...وإشتد ألمها...وزاد عماه...رفضت ألا تُرى...ورفضت إمتنانه لقدومها...فتركته فجأه...
فقد رأت جوهرة تلمع بالظلام...رأتها  بعد طول بحث وتنقيب ويأس...فكان لابد من أن تتبعها..

تركته...ولم يناقشها هذه المرة... فرحلت...

وعادت  بذات الطريق الخالى والذى فكك الدوائر عنها وأزاح دوارها وخوفها فصار مرشدها للنور ..

كانت تقود السيارة بلا خوف من ليل...ولا قلق من مخاطر...ولا رهبة من ماضيها...

علمت أنها أوصدت علي أسطورته بصندوق الشفاء...

فقد تَكَشف تحت مجهر الجوهرة...التى تكشفت تحت برودة عُريها بين يديه...

وباتت الحقيقة التى بنقاء طمى الأرض واقعاً تَصَدَر وعيها...

وتنفست حياة...عندما وارته ماضٍ رسم موتها ألف مرة...

عرفت أن الذنب ضرورى أحياناً للتوبة عن سلسلة من الذنوب...

وظل يرن بأسماعها صوت الماء ...الماء الذى لم تلمسه قدماها...

الثلاثاء، أغسطس 23، 2011

اووبس...محجبة!!




وأخيراً....كتابى الجديد خلص وحينزل بمشيئة الله بعد العيد

كتاب عن الحرية...وإحترام الحرية...وإحترام الإختيارات والبنى آدمين زى ما هما

قريب جداً بالمكتبات



السبت، أغسطس 13، 2011

كالأسد الرابض بالباحة

كُل ما بالباحةِ قصير...معروشات النخل...أسوار المكان...أحواض الزرع...شجيراته المورقة...وروده القليلة المتناثرة...كُل ما بالباحة قصيرٌ ويتأرجح بين الإعتناء الظاهر بنظافة المكان وبين عشوائية هذا الإعتناء،

فالأحواض ليست مستقيمة الصفّ...والورود ليست متقاربة الأغصان...والبلاطات ليست مستوية الإرتفاع...والطرق المؤدية الى مبنى المستشفى ليست ممهدة...

وتمثال الأسد الرابض بمنتصف الباحة لا تناغم فيه مع معنى المكان...ربما لأن صفار لونه باهت أكثر من اللازم...ربما لأن عينيه مطموستان...ربما لأن أنيابه المتآكلة ظاهرة

وكانت هى كالأسد الرابض بالباحة بلا تناغم ولا معنى إلا حقيقة وجوده الثابتة بقاعدته الأسمنتيه...

كانت بيضاء بشحوب...كانت شقراء بعَجَز...كانت تلبس بنطالاَ شديد الضيق يخنق مؤخرتها البارزة خنقاً...وكانت قصيرة ، تماماً كالباحة...وكانت نظيفة بلا إعتناء...تائهة العينين رغم صِغَرِهِما الثاقب...

تثق فى شىء واحد...عنوستها رغم إشتياق الكثيرين لها...فقد كان شوقاً بلا هوى...بلا جدية ترضيها...شوق الى فرصتها الضائعة التى بنظرهم...سانحة!

كانت تثق فى وِحْدَة إسمها الذى يرنو الى الإرتباط بإسم رجل ما...وكانت تثق فى وجودها بهذا المكان...عملها...كُلُ ما لها...كل ما لها ولأبيها الباقى منعزلاً بالبيت بعد وفاة أمها.

كان أباها يعمل مُحاسباً بالمستشفى طيلة عمرة الطاعن بالثمانين وحتى بلغ أقصى ما يمكن أن يبلغه بالوظيفة حين مرر إليها المهنة بذات المكتب العتيق ذو السقف العالى التى تكاد الرقاب أن تنفصل لتبلغ طوله نظراً...وحين غادر مكتبه لآخر مره وصَّى عليها قريبه مدير المستشفى...

وعمل الرجل بوصية أباها...فلم يعتقها يوماً من تحرشه المستتر...ولم يمهلها ساعة تعمل معه فيها بأمان...

ولم تعترض مارية....لم تنظر اليه نظرة رفض...ولا نظرة لوم...ولا نظرة  تُجَرِأه على المزيد...لم تكن تنظر...لم تكن لتزئر...فلم تخف الا الرحيل عن المستشفى...لم ترتعب الا لبقائها بالبيت ونيسةً لأبيها الذى إحترف العبوس...

وكانت تعرف ان المدير لن يقترب المزيد ولن يُعَرِض نفسه لمواجهة...

لم تعرف يوما الا مكمن العرين الصامت...المُصْمَت ...الصَلْد...فقط كانت تعمل وفقط...تتحدث للإجابة...تتجاوب للضرورة...وتعيش بمخيلتها صورة لا تحدث...يوم يقوم التمثال ليجرى ويزئر فرحاً بالوليف بعيداً عن كل ما هو إصطناعى...عودةً لطبيعةٍ لم تفتقدها لأنها لم تعرفها...لم تتعرف على ملامحها ولا رائحتها المُحَرِّرَة...

 
فالطبيعة كانت لها كاللوحات التى تُزين جميع جدران المستشفى...لوحات يونانية قديمة...بها ساحات الحرب...غابات العشق...تماثيل مقطوعة الأذرع وأحياناً الرؤوس ...مرسومة بألوان قديمة كادت أن تأكلها حرارة الحائط ورطوبته لسنين تفوق عمرها ومضاعفاته.


وكانت أيامها وأحلامها تتكرر كل يوم...تستيقظ مبكراً كل يوم لتذهب لعملها......وتَشُدُ عليها بنطالها كثيراً...مُعلنَةً ما يفور منها ...علّها تجد من ينتبه إليها رغم بياضها الشاحب وشقارها العجوز وقِصَرِها اللافت وعينيها الثاقبتين التائهتين وعُمرها الأربعينى....وكونها...مارية!

الأحد، يونيو 26، 2011

آى لاينر

تسمع صوت صياح الديك...تفتح عينيها المتعبتان...وتقول:
- حد لسه بيربى فراخ فى الزمن ده!
تقولها يومياً...تقولها دون تفكير ودون ان تعى أنها تقولها يومياً...فهى تفعل كل شىء بذات الترتيب وذات الطريقة يومياً...

تفتح عينيها المتعبتان وتُعَلِق على صياح الديك وتُلقى بالغطاء بعيداً عن جسدها وتعتدل لتنام على ظهرها...مستلقية بلا حراك لبضع دقائق...تنظر الى سقف الغرفة حيث المروحة التى تلف مصدرة أزيزاً يفوق صوت الديك إزعاجاً...وتظل محدقة بالسقف ذو الطلاء الجيرى الازرق الباهت...والمروحة ذات الأزيز...وناموسة إمتلأت شبعاً فإستقرت بإحد أركان الحائط ونامت بعمق...

ثم تقرر أن تقوم...تجلس على جانب السرير ساندة ذراعيها على حافته إستعداداً لنهوض يبدو وكأنه إستعداد متسابق لعدوٍ سريع ينتظر تشجيع الجمهور...ثم تدفع جسدها الى الوقوف...ثم تفتح باب الغرفة الصغيرة...تتجه الى المطبخ حيث تكون أمها دائماً فى هذا الوقت من الصباح...تُقبلها فى كتفها من الخلف قبلة حلت محل "صباح الخير" منذ زمن...فقد كانت تستصعب النطق صباحاً...فقط كان الديك له نصيب من لفظها...

وتعود الى الغرفة لتأخذ مستلزمات الخروج...حقيبة صغيرة برتقالية بها أدوات الزينة...فوطة وملابس...مشط وفرشاه وسيشوراً بمستلزماته...وتتجه الى الحمام...حيث تضع ما بيديها فوق غسالة يأكل أسفلها الصدأ...وتأخذ عود ثقاب لتفتح سخاناً يعمل بالغاز...وتضع غطاء رأسٍ بلاستيكى يحمى شعرها من البلل...فقد كان ملتفاً حول رأسها ومثبتاً بالعديد من دبابيس الشعر...
وتنتهى من الحمام...وتجفف جسدها وتلبس قميصاً داخلياً...وتفتح نافذة صغيرة بأعلى الحمام حتى تطرد البخار وتبرد الجو...ثم تنظر الى وجهها بالمرآة...فترى بقاياً الكحل وقد سال حتى غطى نصف وجنتيها فتُغطى وجهها بكريماً رخيصاً ولزجاً وثقيلاً ذو رائحة نفاذة...ثم تأخذ قطعة من القطن الطبى وتمسح وجهها ليلمع من أثر الكريم وينظف من أثر الكحل السائل...ثم تغطى وجهها بطبقة من كريم الأساس تختلف كثيراً عن لون بشرتها الأسمر...ثم تنثر البودرة فوق كل وجهها حتى جفنيها وشفتاها...
ثم تمسك الآى لاينر الأسود اللامع...تمسكه بيد فنان...بيد فنان ماهر دقيق...وترسم حدوداً لعينٍ فرعونية...ليست عينها الصغيرة...ليست دائرية وليست رفيعة الجفن...ترسم وكانها ترسم لوحه لعين سيدة من خيالها...وتتقن الرسم...فتسحب الفرشاة الى أبعد حدٍ ممكن مقبول ليقابل طرف الحاجب...وتُدنى الفرشاة الى ابعد نقطة بركن العين...تجىء وتذهب مؤكدة السواد والرسم ومُظهرة للون العين...
وتُكمل الرسم بباقى الوجه بلا إهتمام فكأنما كانت العين هى الشخصية الرئيسية لدور مسرحى اوبرالىٍ تلعبه...
وتنزع غطاء الرأس...وتنزع ما أمسك شعرها بمكانه...وتُسدل سواده المفرود كالمسطرة...وتعيد عليه بالفرشاة والسيشوار...وتلف الفرشاة حول خصلات احاطت وجهها النحيل حتى يكون اكثر ايهاماً بالإمتلاء...
وتضع أحمر شفاه يبرز حدة شفتيها الرفيعتان...وتبتسم لترى إن تلطخت أسنانها بشىء من أحمر الشفاه...
وتذهب الى غرفتها...فترتدى زي العمل...شراباً طويلاً شفافاً باللون الأسود...تنورة قصيرة ضيقة سوداء ذات فتحة من الخلف...قميصاً لامعاً أزرق وفيونكة سوداء تلف الرقبة.
وتنظر الى جسدها بالمرآة...رفيعاً جداً كما هو مطلوب...ملابسها قصيرة جداً كما هو مطلوب...حذائها ذو الكعب العالى جداً المطلوب...
وتنزل من بيتها غير عابئة بنظرات الإستنكار التى تلاحقها...فقد إعتادتها...كما إعتادت نظرات التفحص والشهوة من زبائن الفندق...وإعتادت الهواء البارد الذى يلفح ساقيها شتاءً...وإعتادت تقلص ساقيها من طول الوقوف بالكعب العالى لخدمة مرتادى كافيتريا الفندق...وإعتادت انها عندما تقدم المشروبات على المناضد المنخفضة قد يُرى من فخذيها ما لا تود أن يُرى...لكنها إعتادت...وفقدت الحس...فقدت الإهتمام...فقدت الرغبة فى تبين نوع النظرات وتبين مشاعرها نحوها...
ولم تكن تبتسم للزبائن بالقدر الكافى...كانت مستقيمة المشية والنظرة والأداء...تعلم أنه يمكن أن تحقق الكثير إن إبتسمت...لكنها لم تكن لتبتسم...فقط لأنها تستيقظ كل يوم على صوت الديك...فقط لأن جيرانها ما زالوا يربون الدجاج...فقط لأن الناموسة الشبعانة تنام بأحد أركان الحائط...فقط لأن غرفتها صغيرة وأمها تسكن المطبخ صباحاً...فقط لأنها تلف شعرها بالعديد من دبابيس الشعر...فقط لانها فنانة آى لاينر...فقط لأنها ترتدى شراباً شفافاً طويلاً لتبرز سيقانها الرفيعة...لأن عينيها المرسومتان ليستا عينيها...ولأن ساقاها تؤلمانها من طول الوقوف لخدمة الزبائن...فقط...فقط لأنها لم تعد تهتم...