بمناسبة ذكرى 28 يناير...بفتكر معاكم الشهداء اللى ضحوا عشاننا كلنا بفصل من كتابى : تحرير ميدانى
مش فاكرة كان بقالى قد ايه مصليتش فى المسجد...بإستثناء صلاة العيد...يمكن كان بقالى أربع سنين...يمكن من يوم ما صليت على أبويا الله يرحمه...
بس اليوم ده كان لازم ألبى الدعوة...
كان عندى شىء عجيب شاددنى إنى أبقى فى وسط المتظاهرين فى اليوم ده...كنت عايزة اعمل حاجة بقى...كان نفسى صوتى يطلع معاهم...كان نفسى صوتى يختفى فى صوتهم العالى...
كانت الدعوة ان نصلى الجمعة ونتحرك على ميدان الحدث...التحرير العظيم...
وتسائلت فى بالى : "مين العبقرى اللى سمى الميدان ده ميدان التحرير؟"
ودخلت المسجد...
وأنا حاسه إنى داخله جوه معنى الهيبة...جوه معنى القرب...جوه معنى الاتصال بالأعلى...
وصليت...فى صمت داخلى كبير...من غير تلاحق أفكار...من غير إحساس بعالم جنبى وقدامى وورايا...
وخلصت الصلاة وانا على هذا الحال...قابلت أصدقاء رايحين المظاهرة برضوا...ما شاركتهمش عربية...كنت مفضلة الوحدة...كنت عايزة أستفرد بأحاسيس نقلتنى لتفسير جديد لكلمة حياة...
وأنا فى الطريق كان قدام عينى صورة ولادى قاعدين على الكنبة بيتفرجوا على الكرتون...بس فى ودانى صوت بيتردد عالى...صوت الثوار...
وأنا فى الطريق فكرت ميت مره إنى أرجع عشان ولادى...بس مرجعتش...
وفجأة وفى نص السكة وقبل التحرير بكتير...الطريق إزدحم بصخب ناس بتجرى يمين وشمال...مظاهرة وعربيات أمن...بصيت فى المراية ورايا مشفتش أصحابى...حاولت ألاقى حتة الف بيها من ورا الصخب عشان أكمل مسيرتى...لقيت عربيات بتحاول تدخل شارع جانبى...
حاولت اوصل للشارع ده فى الوقت اللى ميكروباص خبط عربيتى من جهة اليمين وخبط واحدة ست...
وقفت...وقلبى وقف...وكل عصب فى جسمى انهار...مش عارفة ازاى نزلت...ولا عارفة ازاى شفت ولا ازاى رجليا شالتنى...الست اللى وقعت كانت كبيرة ومحجبة...الست اللى وقعت كانت رجليها كلها متعرية...راسها على بُعد نص متر من عربيتى...ورجليها على بعد سنتى من الميكروباص...
غطيتها وانا مش شايفه بين دموعى...وصوتى اتحشرج فى كلام بصريخ تلات ارباعه مش مفهوم...
ونزل اتنين من الميكروباص...وفهمت على طول انهم امن...زى اللى شفتهم تانى يوم للثورة فى وسط البلد بيقربوا من الناس فى التحرير وفجأة ايديهم تقبض ع الواحد من دول وفى ثانية تشده جوع العربية ترميه فيها...حاولت ارفع الست مفيش اعصاب..ولا قوة...كأن رجليا وايديا بقوا هلام...رفعها معايا الامن...حطوها جنب الرصيف كانه قط ميت...
مكنش فيه دم...ومكنش باين على الخبطة انها تموت...فهمت انها تقريباً مغمى عليها...وفضل صوتى المموهة فيه الكلمات يحاول يصرخ فيهم...كنت بصرخ وانا برجع بخطواتى لورا بس بصلهم..ووصلت جنب باب عربيتى..
عقلى كان بيقوللى ان كلامى هو :"حرام عليكوا" "كفره" "حسبى الله ونعم الوكيل" "يا ولاد الكلب"
وبرضه مش شايفه ملامحهم اوى من دموعى...كانى بصرخ فى بُعد تانى...
واحد تالت نزل من الميكروباص لابس جاكيت جلد بنى...خبط بايده جامد اوى اوى على عربيتى وقاللى:" ها...حتركبى العربية دى ولا دى" وهو بيشاور على عربيتهم فى تهديد واضح انه " يا تمشى يا حتيجى معانا"
فى اللحظة دى استوعبت ان الغاز المسيل للدموع كان مالى المكان...والحرقان اللى فى صدرى كان بيخنقنى...
بصيت على الست لقيت دماغها بتتحرك...ومكنش عندى شك انى لازم امشى...
اللى خفته قبل كده فى حياتى مكنش خوف....
واللى اترعبته قبل كده فى حياتى مكنش رعب....
لانى عمرى ما سمعت صوت الخوف بيكلمنى او بيهددنى...
وعمرى ما شفت الرعب بعينى بيخبط فى الناس او بيمسكهم...
واتبدد صوت الثوار اللى فى دماغى...واتبدد صوت الناس اللى حواليا بيهتفوا او بيجروا او بيعملوا كلاكسات...
واتحولت صورة ولادى وهما قاعدين على الكنبة بيتفرجوا على الكرتون الى صوتهم بيندهنى...مش لانهم محتاجينلى...
لا...بيندهونى عشان انا اطمئن فى حضنهم...
وبدل ما أدخل الشارع الجانبى لفيت فى الاتجاه المعاكس عشان ارجع البيت....
وفى الطريق مش شايفه ادامى من كتر الدموع...دموع من الغاز ودموع من الحُرقة...مش مجرد بُكا...مش عارفة ايه...
ووصلت البيت مش عارفة ازاى...انا مش فاكرة الشارع ولا الماريين جنبى ولا اى شىء...
وصلت ومحضنتش ولادى...
دخلت تحت الدش بحاول اغسل اثر الغاز من على جلدى...وابتديت اعيط...اعيط بصوت...اعيط على الست واعيط على نفسى...واعيط من الخوف...واعيط على ولادى...واعيط على التحرير...واعيط ان صوتى مطلعش...واعيط انى مش حمشى مع الثوار...
وفضلت كتير مستخبية فى المية...مستخبية فى دفاها وانسيابها وكأنها ساتر..كأنها درع...
كنت عارفة انى لما حخرج من الحمام حاواجه خوفى تانى...حواجه خوف امى...وكلامها وصوتها العالى...
وزى اى ساتر..حديدٍ كان او مية...لازم نشيله ولازم نواجه وبعد المواجهة بتيجى قوة...
الاعصاب البايظة بتتصلح والجسم المنهار بيقوى...
بس صورة الست اللى غطيت رجليها مكنتش بتسيب عينيا...فضلت أدعيلها بينى وبين نفسى...وابلع غصة بتخنق حلقى...
سمعت من امى كتير...سمعت من غير ما ارد ولا ابصلها...كنت بستوعب احساسى تانى...كنت بصّة لولادى بدور فيهم على خوف...بس لحظتها المدد جه منهم...مكنوش خايفين...كانوا بيحضنونى ويشتكولى من شقاوة بعض.. عادى...زى العادى...
شوية وتم اعلان خبر حظر التجول...وبسرعة حسبت انا معايا فلوس كام وعندى اكل ايه فى البيت...وقبل ما اخلص الحسبة جتلى صديقة قديمة فجأة ...طبعاً بما ان مفيش موبايلات شغالة...
كانت الساعة تقريباً خمسة...والحظر اللى أعلن عنه الساعة ستة...
قالتلى: "البسى...لازم تلحقى تجيبى اى حاجة ناقصة من البيت لولادك لان البلد كلها بتقفل"
وناولتنى ظرف فيه فلوس...وزقتنى على اوضتى عشان البس...حاولت اعترض واشكرها بس رفضت تدينى فرصة اتكلم...
من جوايا كنت عارفة انى مش لازم ارفض لانى ببساطة فى أمس الحاجة ليهم بس برضه كان صعب عليا اقبل...عادة فى حياتى انا اللى بدى مش انا اللى باخد...او يمكن مش معتادة جدعنة من حد...
بس يمكن الاحساس العام اللى خلا كل الناس يجتمعوا على راى وقضية زى الحرية والتغيير خلونى احس انى ينفع اقبل جدعنة صاحبتى...احياناً قبول الحُب من الآخر بيحتاج قوة زى العطاء بالظبط...لكن اللى بيسهل القوة على الأخذ هو الإحساس بصدق الحب وصدق الجدعنة وصدق العطاء...ياما ناس تعرض من غير نفس ولا روح..وياما ناس بتاخد من غير شكر ولا تقدير...
ويمكن كمان ان احساس حظر التجول اللى كان بالنسبة لى كأن حد بيقوللى :"يلا يا حلوة...ادخلى الزنزانة دى من الساعة ستة لتانى يوم الساعة تمانية" كان محسسنى ان السند الوحيد فى الاحوال دى هو الكاش!
لبست ونزلت ولقينا المحلات اللى فى الشارع كلها بتقفل واحد ورا التانى...زى قطع الدومينو لما واحدة تنزل ع التانية ويبتدى سلسال السقوط...المحلات كانت كده..ابواب بتتقفل واحد ورا التانى وكله بيجرى عشان يلحق...لحقت سوبر ماركت واحد بالعافية واشتريت لولادى لبن وعيش وجبنة وإشتريت علبة سجايرورجعت البيت...
التليفزيون كان عينيا ودليلى وقلبى كان متعلق بالميدان...
وشفت بعينى الناس اللى اتفرمت تحت عجلات العربات المصفحة وصرخت!
وشفت بعينى الناس اللى كانت بتصلى واترشت بخراطيم المية وصرخت!
وشفت الف قنبلة غاز مسيل للدموع بتترمى على الناس وصرخت!
صرخت عشان كان نفسى ادافع عنهم وصرخت لانى ضعفت ورجعت ولان عندى ولاد صغيرين وصرخت من احساس فظيع بالقهر والظلم وقلة الحيلة قدام قوات امن بتضرب وتقتل فى الناس العُزّل...
مبقتش دموعى مُسيلة بغاز...بقت دموعى مُسيلة بحُرقة ظلم وقتل لناس حتة منى...
وجت اخبار انسحاب الشرطة بسرعة...وجت اخبار البلطجية اللى انتشروا فى البلد اسرع...
وابتدت الحرب...