السبت، يناير 28، 2012

اليوم الرابع للثورة

بمناسبة ذكرى 28 يناير...بفتكر معاكم الشهداء اللى ضحوا عشاننا كلنا بفصل من كتابى : تحرير ميدانى

مش فاكرة كان بقالى قد ايه مصليتش فى المسجد...بإستثناء صلاة العيد...يمكن كان بقالى أربع سنين...يمكن من يوم ما صليت على أبويا الله يرحمه...
بس اليوم ده كان لازم ألبى الدعوة...
كان عندى شىء عجيب شاددنى إنى أبقى فى وسط المتظاهرين فى اليوم ده...كنت عايزة اعمل حاجة بقى...كان نفسى صوتى يطلع معاهم...كان نفسى صوتى يختفى فى صوتهم العالى...
كانت الدعوة ان نصلى الجمعة ونتحرك على ميدان الحدث...التحرير العظيم...
وتسائلت فى بالى : "مين العبقرى اللى سمى الميدان ده ميدان التحرير؟"
ودخلت المسجد...
وأنا حاسه إنى داخله جوه معنى الهيبة...جوه معنى القرب...جوه معنى الاتصال بالأعلى...
وصليت...فى صمت داخلى كبير...من غير تلاحق أفكار...من غير إحساس بعالم جنبى وقدامى وورايا...
وخلصت الصلاة وانا على هذا الحال...قابلت أصدقاء رايحين المظاهرة برضوا...ما شاركتهمش عربية...كنت مفضلة الوحدة...كنت عايزة أستفرد بأحاسيس نقلتنى لتفسير جديد لكلمة حياة...
وأنا فى الطريق كان قدام عينى صورة ولادى قاعدين على الكنبة بيتفرجوا على الكرتون...بس فى ودانى صوت بيتردد عالى...صوت الثوار...
وأنا فى الطريق فكرت ميت مره إنى أرجع عشان ولادى...بس مرجعتش...
وفجأة وفى نص السكة وقبل التحرير بكتير...الطريق إزدحم بصخب ناس بتجرى يمين وشمال...مظاهرة وعربيات أمن...بصيت فى المراية ورايا مشفتش أصحابى...حاولت ألاقى حتة الف بيها من ورا الصخب عشان أكمل مسيرتى...لقيت عربيات بتحاول تدخل شارع جانبى...
حاولت اوصل للشارع ده فى الوقت اللى ميكروباص خبط عربيتى من جهة اليمين وخبط واحدة ست...
وقفت...وقلبى وقف...وكل عصب فى جسمى انهار...مش عارفة ازاى نزلت...ولا عارفة ازاى شفت ولا ازاى رجليا شالتنى...الست اللى وقعت كانت كبيرة ومحجبة...الست اللى وقعت كانت رجليها كلها متعرية...راسها على بُعد نص متر من عربيتى...ورجليها على بعد سنتى من الميكروباص...
غطيتها وانا مش شايفه بين دموعى...وصوتى اتحشرج فى كلام بصريخ تلات ارباعه مش مفهوم...
ونزل اتنين من الميكروباص...وفهمت على طول انهم امن...زى اللى شفتهم تانى يوم للثورة فى وسط البلد بيقربوا من الناس فى التحرير وفجأة ايديهم تقبض ع الواحد من دول وفى ثانية تشده جوع العربية ترميه فيها...حاولت ارفع الست مفيش اعصاب..ولا قوة...كأن رجليا وايديا بقوا هلام...رفعها معايا الامن...حطوها جنب الرصيف كانه قط ميت...
مكنش فيه دم...ومكنش باين على الخبطة انها تموت...فهمت انها تقريباً مغمى عليها...وفضل صوتى المموهة فيه الكلمات يحاول يصرخ فيهم...كنت بصرخ وانا برجع بخطواتى لورا بس بصلهم..ووصلت جنب باب عربيتى..
عقلى  كان بيقوللى ان كلامى هو :"حرام عليكوا" "كفره" "حسبى الله ونعم الوكيل" "يا ولاد الكلب"
وبرضه مش شايفه ملامحهم اوى من دموعى...كانى بصرخ فى بُعد تانى...
واحد تالت نزل من الميكروباص لابس جاكيت جلد بنى...خبط بايده جامد اوى اوى على عربيتى وقاللى:" ها...حتركبى العربية دى ولا دى" وهو بيشاور على عربيتهم فى تهديد واضح انه " يا تمشى يا حتيجى معانا"
فى اللحظة دى استوعبت ان الغاز المسيل للدموع كان مالى المكان...والحرقان اللى فى صدرى كان بيخنقنى...
بصيت على الست لقيت دماغها بتتحرك...ومكنش عندى شك انى لازم امشى...
اللى خفته قبل كده فى حياتى مكنش خوف....
واللى اترعبته قبل كده فى حياتى مكنش رعب....
لانى عمرى ما سمعت صوت الخوف بيكلمنى او بيهددنى...
وعمرى ما شفت الرعب بعينى بيخبط فى الناس او بيمسكهم...
واتبدد صوت الثوار اللى فى دماغى...واتبدد صوت الناس اللى حواليا بيهتفوا او بيجروا او بيعملوا كلاكسات...
واتحولت صورة ولادى وهما قاعدين على الكنبة بيتفرجوا على الكرتون الى صوتهم بيندهنى...مش لانهم محتاجينلى...
لا...بيندهونى عشان انا اطمئن فى حضنهم...
وبدل ما أدخل الشارع الجانبى لفيت فى الاتجاه المعاكس عشان ارجع البيت....
وفى الطريق مش شايفه ادامى من كتر الدموع...دموع من الغاز ودموع من الحُرقة...مش مجرد بُكا...مش عارفة ايه...
ووصلت البيت مش عارفة ازاى...انا مش فاكرة الشارع ولا الماريين جنبى ولا اى شىء...
وصلت ومحضنتش ولادى...
دخلت تحت الدش بحاول اغسل اثر الغاز من على جلدى...وابتديت اعيط...اعيط بصوت...اعيط على الست واعيط على نفسى...واعيط من الخوف...واعيط على ولادى...واعيط على التحرير...واعيط ان صوتى مطلعش...واعيط انى مش حمشى مع الثوار...
وفضلت كتير مستخبية فى المية...مستخبية فى دفاها وانسيابها وكأنها ساتر..كأنها درع...
كنت عارفة انى لما حخرج من الحمام حاواجه خوفى تانى...حواجه خوف امى...وكلامها وصوتها العالى...
وزى اى ساتر..حديدٍ كان او مية...لازم نشيله ولازم نواجه وبعد المواجهة بتيجى قوة...
الاعصاب البايظة بتتصلح والجسم المنهار بيقوى...
بس صورة الست اللى غطيت رجليها مكنتش بتسيب عينيا...فضلت أدعيلها بينى وبين نفسى...وابلع غصة بتخنق حلقى...
سمعت من امى كتير...سمعت من غير ما ارد ولا ابصلها...كنت بستوعب احساسى تانى...كنت بصّة لولادى بدور فيهم على خوف...بس لحظتها المدد جه منهم...مكنوش خايفين...كانوا بيحضنونى ويشتكولى من شقاوة بعض.. عادى...زى العادى...
شوية وتم اعلان خبر حظر التجول...وبسرعة حسبت انا معايا فلوس كام وعندى اكل ايه فى البيت...وقبل ما اخلص الحسبة جتلى صديقة قديمة فجأة ...طبعاً بما ان مفيش موبايلات شغالة...
كانت الساعة تقريباً خمسة...والحظر اللى أعلن عنه الساعة ستة...
قالتلى: "البسى...لازم تلحقى تجيبى اى حاجة ناقصة من البيت لولادك لان البلد كلها بتقفل"
وناولتنى ظرف فيه فلوس...وزقتنى على اوضتى عشان البس...حاولت اعترض واشكرها بس رفضت تدينى فرصة اتكلم...
من جوايا كنت عارفة انى مش لازم ارفض لانى ببساطة فى أمس الحاجة ليهم بس برضه كان صعب عليا اقبل...عادة فى حياتى انا اللى بدى مش انا اللى باخد...او يمكن مش معتادة جدعنة من حد...
بس يمكن الاحساس العام اللى خلا كل الناس يجتمعوا على راى وقضية زى الحرية والتغيير خلونى احس انى ينفع اقبل جدعنة صاحبتى...احياناً قبول الحُب من الآخر بيحتاج قوة زى العطاء بالظبط...لكن اللى بيسهل القوة على الأخذ هو الإحساس بصدق الحب وصدق الجدعنة وصدق العطاء...ياما ناس تعرض من غير نفس ولا روح..وياما ناس بتاخد من غير شكر ولا تقدير...
ويمكن كمان ان احساس حظر التجول اللى كان بالنسبة لى كأن حد بيقوللى :"يلا يا حلوة...ادخلى الزنزانة دى من الساعة ستة لتانى يوم الساعة تمانية" كان محسسنى ان السند الوحيد فى الاحوال دى هو الكاش!
لبست ونزلت ولقينا المحلات اللى فى الشارع كلها بتقفل واحد ورا التانى...زى قطع الدومينو لما واحدة تنزل ع التانية ويبتدى سلسال السقوط...المحلات كانت كده..ابواب بتتقفل واحد ورا التانى وكله بيجرى عشان يلحق...لحقت سوبر ماركت واحد بالعافية واشتريت لولادى لبن وعيش وجبنة وإشتريت علبة سجايرورجعت البيت...
التليفزيون كان عينيا ودليلى وقلبى كان متعلق بالميدان...
وشفت بعينى الناس اللى اتفرمت تحت عجلات العربات المصفحة وصرخت!
وشفت بعينى الناس اللى كانت بتصلى واترشت بخراطيم المية وصرخت!
وشفت الف قنبلة غاز مسيل للدموع بتترمى على الناس وصرخت!
صرخت عشان كان نفسى ادافع عنهم وصرخت لانى ضعفت ورجعت ولان عندى ولاد صغيرين وصرخت من احساس فظيع بالقهر والظلم وقلة الحيلة قدام قوات امن بتضرب وتقتل فى الناس العُزّل...
مبقتش دموعى مُسيلة بغاز...بقت دموعى مُسيلة بحُرقة ظلم وقتل لناس حتة منى...
وجت اخبار انسحاب الشرطة بسرعة...وجت اخبار البلطجية اللى انتشروا فى البلد اسرع...
وابتدت الحرب...

الأحد، يناير 08، 2012

أكمَل قلب


لم تغب إبتسامة ثغره يوماً...حتى وشفاهه ترتجف خوفاً علي ، كانت شفاهه مبتسمة تحاول أن تنقل طمأنينة لم يمتلكها...

كنت أرى إبتسامة شفاه رافقتنى معظم سنين شبابى وأول أعوام شيبى...ذات الإبتسامة التى رحبت بى فى حياته ، والتى هنأتنا على أول مولود صم آذاننا من صراخ عَذبْ والتى رافقت النجاح العملى ولعب الاطفال والتى إرتجفت سعادةً يوم خِطبة البنت.

كنت أعرف الإبتسامة فهى إبتسامة من أحب...
ولكنى اليوم فقدت ثدي ..وعثرت على فرصة أخرى للحياة ..فظللت أبحث عن إبتسامة عينيه...فقد كنت أحتاج إليها لتطمئننى أننى لم أفقد حب زوجى لأنوثتى..فأنا أعرف أنه يحب روحى..يحب شخصى..يحب حبى..
فقط كنت أحتاج أن أرى الإبتسامة..كنت أحتاج لعونها كى أقبل أنوثتى بشكل آخر...كنت أحتاج إلي بريقها كى أحتمل بريق ضوءه مختلف..
فقد شعرت طيلة أشهر من القلق والعلاج أننى أكاد أن أنطفىء...وشعرت أن حياته تمُدَنى بحياة...وأن قلبه يدق فىِّ ..فى روحى حياة...

 لكنى ولأول مرة منذ أن رأيت عينيه..أحتار فيهما..أحتار فى بريقهما...أما أراه فيهما إبتسامة؟ أم ظل إبتسامة؟ أم وهم إبتسامة؟...غابت عنى الثقة وغاب عنى المعنى وأصبحت بلا ثدى وبلا فهم للغة عينيه...

مع الوقت ، إندمل جرحى ولم يندمل قلقى...تحسست مكان ثدى الأيسر لأول مرة...هالنى عدم وجوده...تعرفت على قطعٍ غائرٍ أعلن واقع مرير...تحسست جُرحى تحسس الكفيف لطريق لم يختبره...وأحسست بمعنىً جديد..معنىً وحيد..وتمنيت لو أرى إبتسامة عينىّ زوجى...فقد كنت أرقد وحيدة فى فراشى لا أرى من الغرفة شيئاً فقد آثرت الظلام ، أترقب وقع خطوات معلنة وصوله الى البيت ومعلنة قرب تنعمى بدفء وجوده.

وجاء...بلا صوت...ورقد بجانبى...شعر بى مستيقظة فأضاء ضوءاً خافتاً سمح لى برؤية عينيه...ومجدداً إحترت فيهما فنقلت نظرى الى شفاه قد ابتسمت فهدأتنى...وقلت رغم غصة خنقت كلماتى :

-         أترانى ناقصةٌ ؟

لم يرد...مد يده بذات الحنان الذى أمسك به وليدنا ساعة ولادته...مد يده بذات الحنان الذى لمس به قلبى ..مدّ يده بحنان وتحسس مكان جرحى من فوق ثوبى محل ما فَرُغ وانسدل...ونظر فى عينىّ وكأنه ينظر داخل روحى..ورأيت إبتسامة عينيه التى إشتقت أن أعرفها وأنهل منها دون حيرة ..ورأيت بريق دمعة كُلُها حب...وقال :

-         لديكِ أكمَلَ قلب !


الثلاثاء، نوفمبر 08، 2011

جنازة فنية - سيناريو


م/1                                                                                                                  ن/خ

منظور أفقى من زاوية بعيدة يظهر فيه شارع كبير اتجاهان يفصلهما سور قصير عبارة عن قضبان حديد. جهة اليمين مسجد كبير جداً ورصيفه عريض جداً ومزروع وسط احواض اسمنتية فيه شجرتان كبيرتان. سيارات فارهة كثيرة اغلبها اسود اللون واقفة فى صفين بجانب الرصيف القريب من مدخل المسجد. زحام غير عادى من الكثير من الناس الواقفين فى مجموعات هادئة على الرصيف الموزاى للسيارات.

سيدات معظمهن شقراوات ورجال كثيرون. معظمهم يلبس نظارات شمس ويظهر بينهم العديد من الوجوه المألوفة من مشاهير الفن . وجوه اخرى اكثر شهرة جالسة فى صمت فى بعض السيارات الفارهة الا احدى السيارات البى ام دبليو. تجلس فتاة "س" فى العشرين تكسوا وجهها الدموع وتنظر الى يديها المتوترتين وتعصر عينيها عن دموع تكثيرة تجمعت فيها. بكاءها بلا صوت.

يقف شابان متواضعى الحال حليقى الرأس على اطراف اصابعهن لرؤية أفضل للناس وسط الزحام . يذهب شاب 1 الى احدى الشجرتين ويتسلقها ليقف على جزع سميك منها ممسكاً بيده جزع آخر اعلى منه. يومىء شاب 1 الى شاب 2 ليتبعه فلا يستطيع الأخير ان يفعل مثل صاحبه بل يرتفع قليلاً عن الأرض بسند احدى قدميه على جزع منخفض مقطوع ويسند بيده الأخرى على الجزع الذى يقف عليه شاب 1.

تقف سيارة هامر صفراء بصف السيارات الثانى . ينزل رجلان ضخام الجثة والعضلات ويفتحان الباب لشخص قصير وبدين اسمر يرتدى بدلة مشجرة اصفر فى احمر.

شاب 1

الحق يلا...شعبولا جه...

(يضحك بصوت مرتفع جداً)

شاب 2

ده ولا اجدع كباريه ياض...تيجى ننقطه ونقوله يغنيلنا بقى وايييييييييييييييييه

شاب 1

وانت لاقى تاكل يابن المحرومة

شاب 2

يعنى هى دى الإنّ...اما انت اهطل صحيح

شاب 1

طب اخرس طه ..سيبنى افررج...ايه ده...

شاب2

رايح فين يلا يا بن المجنونة

شاب 1

بس يا نتن...حعرف مين القتيل

(ويضحك بصوت عالى جداً جداً)

يخرج شاب 1 علبة سجائر (مفعوصة – مبططة ) كليوباترا شبه خاوية من جيب بنطاله ويخرج منها سيجارة ثم يدسها بجيبه مرة ثانية . يقترب من رجل يقف وحده يدخن سيجاره . يبدو عليه الشرود. عيناه تنطق حزناً وتلمع من أثر دمع .لكنه متماسك. له حركه عصبية تظهر اكثر بخده الأيمن حيث يجز على سنانة قليلاً كل سبع ثوانى.

شاب 1

صباح الفل يا باشا...ولعة؟؟

ينظر اليه الرجل لحظة دون رد. نظرة لا تعى طلب شاب 1 لاول وهلة انه كان شارد تماماً ثم يستدرك . يخرج ولاعة فضية مربعة عريضة ويولع سيجارة شاب 1

شاب 1

مشكور..انما ولا مؤاخذة...مين الميت الله يرحمه؟؟

الرجل

واحد...الله يرحمه

شاب 1

ايوة يا باشا مانا فاهم يعنى..مانا شفت الصندوق وهو داخل الجامع..هو واحد مش واحدة..بس يعنى اصل انا بشبه على ناس كتير هنا من اللى بيطلعوا فى النشرة والتمسيلية وكده

الرجل

آه...الله يرحمه كان مشهور زيهم كده

شاب 1

يااااه...آه يا باشا...اسمه ايه يعنى؟؟

الرجل

(بصوت عالى جداً وانفعال فجائى جداً)

وانت مالك...اما انت متعرفوش جاى تتزنق وسطنا ليه...اتكل على الله يلا انا مش ناقصك...

العديد من الأشخاص القريبين يلتفتوا اليهم . يقترب من الرجل بعض الرجال . يمشى شاب 1 بعيداً مسرعاً. يراه شاب 2 الذى يراقب كل شىء.

شاب 2

فيه ايه يا معلم...اى خناقة ولا ايييه؟؟

شاب 1

لااا يا ريس حصل الخير...الراجل مقهور على اخوه الميت...بسأله عن اسمه حتى مش قادر ينطقه...اتجن

لا حول الله يا رب

يتسلق شاب 1 الشجرة ثانية متخذاً ذات الموضع. يلحق به شاب 2. يكملا مشاهدة الناس والسيارات وهى تزيد.

م/2                                                                                                                  ن/د

داخل باحة الصلاة الواسعة بمصلى السيدات. ازدحام كبير. سيدات يصطففن جلوساً على الأرض. فى الصفوف الخلفية الى المنتصف نساء ريفيات معهن اطفال بعضهم رضع تتعالى اصوات بكاءهم. باقى الصفوف يختلط فيها مظاهر المستوى الاجتماعى .

يدخل الى المسجد مجموعة من السيدات الراقيات. تظهر على بعضهن الحيرة: اين يجلسوا وماذا يفعلوا وسط الزحام. يقفن – بدون قصد - فى صف متعرج بالمقدمة. تدخل "س" الى المصلى مع سيدتان احداهما فى الاربعين شقراء سمينة ترتدى بدلة سوداء والاخرى اكبر كثيراً ذات شعر احمر نارى شديدة الرفع وقاسية الملامح.

يتحدث امام المسجد فى الميكروفون مستمهلاً المصلين ليؤدوا صلاة الجنازة بعد صلاة الظهر. تنتبه "س" لما يقوله الامام فتجهش بالبكاء والنحيب بصوت عالى. تترك جسدها اراديا يسقط على الارض فى وضع الجنين وتستمر فى النحيب. تنحنى السيدتان ليتحدثن الى "س"

سيدة 1

بيبى..معقول كده.. احنا قلنا ايه..امسكى نفسك بليز..ذيس ايز باد فور هيم بجد

سيدة 2

ده يا بنتى زمانه فى الجنة اورريدى آم شور..بابى انسان رائع بجد وكل الناس بتحبه..ربنا اكيد عارف وحياخده نده فى الجنة

تعتدل سيدة 1 لتفرد ظهرها وتنظر فى اتجاه الباب. تبتسم.

سيدة 1

اووه..دينا لابسة عباية سودا وطرحه

سيدة 2

ايه؟ فين دى؟ دينا دينا؟

سيدة 1

ايوة دينا بيلى دانسر (تكتم ضحكة ) هناك داخلة من الباب

سيدة 2

واااو شكلها مختلف خالص...معرفتهاش

سيدة 1

(تنحنى فى اتجاه "س" مرة ثانية )

حبيبتى خليكى هنا جايالك تانى ...لازم اسلم على دينا وبليز اهدى

ترسم سيدة 1 على وجهها ابتسامة مُرحبة كبيرة وتتجه صوب دينا وتتبعها سيدة 2

تعتدل "س" وتنظر نحو السيدتين. تتبعهما بنظرتها الحزينة. تراهما يقبلن دينا ويضحكن ويهمسن فى اذنها بكلمات ويشرن مرة نحو امرأة (هى زوجة ابيها) ومرة نحوها.

تعابير وجه دينا متألمة. تلتقى عيناها مع عيناى "س". تترك السيدات وتتجه نحوها. تنزل دينا على ركبتيها وتحتضن "س" وتهمس لها بكلمات . "س"  تبكى بصوت عالى ثانية.

يعلو صوت الامام يعلن انه يقيم الصلاة. تمسك دينا يد "س" لتعينها على الوقوف. تذهب بها الى اول صف. تنظر دينا حولها لترى الصف المتعرج .النساء فى الصف حائرات فى تلبيسة "الايشاربات". تترك دينا يد "س" وتواجه الصف.

دينا

يا جماعة الصف لازم يتساوى. الرجل فى حزا الرجل والكتف لامس الكتف. ووقت الدعاء ادعوله

تمسك كل سيدة من كتفيها تعدل وقفتها . السيدات يكتمن ضحكات. سيدات أخر يبتسمن. احداهن تمتمت "سبحان الله".

الامام

اللـــــــه أكبــــــــر

تنتهى الصلاة . يُسلم المصلون. لا يجلسوا. ينتظروا صلاة الجنازة. يُسمع صوت الامام يشرح كيفية صلاة الجنازة.

ينتفض جسد "س". ترتعش شفاها. تتحجر دموعها. نظرتها مندهشة غير مستوعبة. تتسمر فى مكانها.

إمرأتان من مستوى شعبى جلسن القرفصاء. احداهن معها طفل يزن. تدخل رأس الطفل تحت خمار ازرق تلبسه. تتحرك يدها تحت الخمار ما يدل على اخراج ثديها لترضعه.

أم الطفل

إنتى بتشوفى تليفزيون..شفتيه ده الله يرحمه اللى بيقولوا عليه؟

المرأة

ياما..ضحك وغنى ورقص وايه..وابن عمى ممدوح كان حيشتغل مرة عنده سواق بس معجبوش الحال والمسخرة بقى وكدهون فمرضيش

أم الطفل

إلا أكل الحرام يا أختى..نقول ايه..الله يرحمه..على الله يكون كان بيصلى...اصل الا الصلاة

المرأة

(تضحك بصوت مرتفع ثم ترتسم على وجهها الجدية)

وده ينفع حتى لو صلى؟؟ جرى ايه يا ام تامر...هى الناس دى تورد على جنة..ده انا حتى سمعت الشيخ مج....

الامام

اللـــــــه أكبــــــــر

م/3                                                                                                                 ن/خ

منظر من اعلى. شارع عريض اتجاه واحد. ينطلق سرب السيارات الفارهة بسرعة عالية جداً وراء سيارة بيجو ستيشن مسرعة جداً تحمل النعش. وراءها سيارة شاهين ممتلئة بالركاب.

"س" فى آخر سيارة –البى ام - فى السرب وورائها على مسافة بعيدة سيارة شاهين بيضاء ممتلئة بالركاب.

تجلس فى المقعد الخلفى بين السيدتين –الشقراء السمينة وحمراء الشعر الرفيعة – "س" شاردة تماماً تلحق بعينيها السيارة البيجو وبالكاد تستطيع تتبعها. تلمس كتف السائق.

"س"

عم سيد...هما ليه بيجروا كده..انا خايفة منلحقهمش. انت تعرف الطريق

عم سيد

لأ يا آنسة. معرفش باب الوزير أعرف تُرَب الغفير بس. حلحقهم متخافيش

"س"

أيوة من فضلك..طيب هما بيجروا ليه كده بجد..انا خايفة نتوه منهم

سيدة 1

مامتك الله يرحمها ياما قالتله يشترى مدفن فى ستة اكتوبر..بيبقوا نُضاف جداً وشيك..كان عنيد برضه الله يرحمه

تنظر اليها "س" بإمتعاض تحاول اخفاءه احتراماً . تنظر "س" امامها فتلمح عم سيد يبكى فى صمت. تمسك كتفه وتجهش بالبكاء.

سيدة 2

يا حبيبتى والله والله هو راح مكان احسن من هنا بكتير جداً. طيب بصى هو بيجرى ادانمنا ازاى. انتى متعرفيش ان الميت الكويس بيجرى نعسه جرى لان بيبقى نفسه يشوف ربنا والملايكة ترحب بيه

"س"

(بصوت منفعل فرحاً)

بجد؟؟

سيدة 2

آه والله

عم سيد

أمال ايه يا آنسة...ده النعش بيطير طير

سيدة 1

سمعتها كتير..مامى الله يرحمها كانت طايره ولا الصروخ لدرجة ان الشيخ اللى بيقرا قرآن كان فى عربيتها كان بيباركلنا

"س"

(بصوت فرح جداً)

ياااااااااااااااا رب...الله...الحمد لله يا رب...

(تتغير ملامحها )

بس هو واحشنى اوى

تجهش بالبكاء والنحيب...تحتضنها سيدة 2 وتربت على كتفها محاولة تهدئتها.

تبطىء السيارة. ينظر عم سيد حوله. يكبس زر الزجاج لينزل. يخرج راسه قليلاً ويسأل احد المارة الذى يرتدى جلباباً بنياً.

عم سيد

سلامو عليكو...والنبى الله يكرمك مدافن الوزير فين

الرجل

انت فين وهى فين. بص. صلى ع النبى. انت تلف من تانى شارع شمال فى شمال تطلع تانى على الاتسراد واول ما تلاقى الكوبرى قاطعك من فوق ادخل يمين وهناك اسال.

عم سيد

بس انا لسه شايف عربيات كانت معانا ماشية من هنا..كانوا ادامى وسرحت دقيقة اختفوا..انت متاكد؟؟

الرجل

عيب يا باشا انا فى المنطقة دى من وانا عيل...عيب...ارجع بس اسمع منى.



السيارة الشاهين البيضاء تنتظر لتتبع اتجاه البى ام. بداخلها سبعة من السيدات والرجال متوسطى الحال. سيدة بجانب الشباك تقول للرجل الذى يتولى القيادة (زوجها)

سيدة

ربنا يطلعنا منها على خير...حكمتك يا رب...عظة والله ما بعدها عظة

السائق

فيه ايه يا وليه

سيدة

مفيش..بتحسر على حياته اللى ضيعها فى الهلس..وياريته كان حنين على اهله اللى من لحمه ودمه..

السائق

اتقى الله فى ابن خالتك يا وليه..الميت متجوزش عليه الا الرحمة بعدين منتى كنتى براشوت عليه ف كل مناسبة..يا ساتر عليكى

سيدة

جرى ايه..وانا جبت حاجة من عندى..اهه..اديه تايه اهه...اكيد عربيته هى كمان تايهه اذا كانت بنته مش عارفة السكة...الملايكة مش مستنياك يا بن خالتى..يا خسارتك يا بن خالتىىىى

(وتبكى بصوت عالى مصطنع)

"س" تنظر حولها بقلق.السيدتان يتناقشن فى شكل دينا المختلف تماماً بالعباءة والطرحة. السائق يهدىء من روع "س" ويسرع فى الاتجاهات التى وصفها الرجل له.

يخرج الى الشارع الرئيسى. يرى الكوبرى اعلى السيارة. يهدىء السرعة حتى يدخل يميناً. يرى العديد من السيارات التى كانت تسبقه من قبل تخرج من الشارع. تهدىء سيارة مرسيدس بها احد اقارب المرحوم. ينزل سائقها الزجاج الفيميه المجاور له. وينزل الزجاج الخاص بالمقعد الخلفى وتخرج سيدة جميلة شقراء راسها قليلاً. تقترب "س" تلقائياً من الشباك القريب من السيدة الشقراء.

السيدة الشقراء

(يظهر عليها البكاء الشديد..انفها احمر تماماً وكحلها سال بعضه على جفنها الاسفل)

حبيبتى...كنتى فين كل ده

"س"

توهنا يا طنط..الحمد لله ان لقيناكوا اخيراً

السيدة الشقراء

خلاص...

"س"

(ترتجف)

خلاص ايه

السيدة الشقراء

(دموعها تنهمر كالمطر)

اتدفن خلاص

"س"

لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا