الجمعة، ديسمبر 12، 2008

كرسى عالى

لماذا الخوف؟!! إنه فقط مطعم مثل جميع المطاعم...كلمة بار التى تضوى بلافتة المكان تعنى وجود مشروبات مسكرة أسموها روحية كنوع من تنميق حالة السكر والمجون التى تجتاح الشاربين من مرتادى هذا المكان...إلا أنه واقعياً لا فرق بين مسكرات مكان أ سموه بار ومكان أسموه مطعم...كليهما به طعام ومنضدات ومسكرات واغانى تسلى المرتادين.
آه، إلا أن مقاعد البار "كراسى عاليه ".
فساقى المسكرات يعمل على طاولة عاليه تعطيه حرية الحركة وإعداد مشروبات الزبائن بأريحية ...من يعلم؟!! ربما كان البار فيما مضى ذو مقاعد عادية الطول ثم تطور الأمر مع الوقت لتصبح كراسى عاليه...ربما مل زبائن زمان إنتظار الساقى حتى يعد مشروباتهم فكانوا ينتظرونه وقوفاً ويرون كيف يعد خليط من مشروبات حادة المذاق حلوة التأثير...يجوز أن يكون إحداهم ذو ساق معلولة لم يتحمل الوقوف عليها طويلاً وحين إنتبه مدير البارالى معاناة الرجل لم يجد المقاعد العادية تليق بالبار العالى ومن هنا تمت إطالة السيقان...وبعدها أصبحت ما يفرق البار عن المطعم هى سيقان الكراسى العالية.
لماذا أهتم الآن بتاريخ البارات؟!!
كل ما يهمنى فى الأمر أن أدخل لأرى حبيبى يغنى...كم أنا محظوظة...وجدت رجلاً يحبنى حقاً...نعم، أنا أعلم كم يحبنى. لم يقول لى كم يحبنى ولم أسأله.
إنه من السخف حقاً أن يقاس الحب بالكم أو العدد...بل أن يقاس إطلاقاً.
الحب هو أعلى قيمة ولا يقاس فلا أتخيل أن يحب أحد بعشرة وآخر بألف...وقتها لن يستقيم المعنى وقد تتشاجر الحبيبة إذا علمت أن صديقتها تُحَب مائة ضعف حبها...قد يمتد الأمر حتى إلى إشتراط الفتاة أن تعرف ما القيمة الذى يستعد لأن يحبها بها الرجل قبل الموافقة على إستقبال مشاعره...فكرامتها لن تقبل أن تكون محل سخرية الجيران والأقارب.
سخف...
هذا الزخم والإزدحام فى مثل هذا المكان الصغير كله من أجل حبيبى ...إنى حقاً محظوظه..ليس لأنه أشد الرجال إخلاصاً فأنا أعلم أنه لن يبخل أبداً بنظراته ليشبع غرور معجباته ...وطبعاً ليس لأنه أكثر الرجال وسامة فهو ذو أنف عظيم وقامة تكاد أن تساوى قامتى.. أنا محظوظة حقاً لأننى وجدت من يستطيع إخراج هذا القدر من الفن للوجود.
لطالما وجدت الموهبة شىء مثير للدهشة بيد أنها لم تكن أبداً من صنع بشر بل هى ماء سحرى تعانق بدماء من زانه...لكن، الروح التى تستبيح لنفسها مقاسمة الوجود هذه الموهبه إنها حقاً روح عظيمة...وكم أننى محظوظة.
أشفق على الرجل ذو الساق المعلولة أكثر الآن...فساقاى تؤلمنى من كثرة الوقوف والإنتظار...جل ما أريده هو كرسى واحد فقط...عالى...كرسى عالى...فحبيبى سيحتل المسرح بعد قليل...سأجلس وحدى على تلك الطاولة الصغيرة المستديرة...سأنظر وحدى الى الزهرة الحمراء التى تزين منتصفها...وسأتناول مشروب ما...ليس من المسكرات بطبيعة الحال.
نعم، الآن وأنا أنظر الى مختلف ألوان الملابس وأطوال الشعر وأطوال الفساتين ومقدار ما ظهرمن أفخاذ النساء...يظهر لى واقع أننى قد لا أمتزج شكلاً فى هذه اللوحة الصاخبة...لا يظهر من جسدى إلا وجهى وكفى وما ظهر من قدمى...فحذائى - الذى هو جديد وأنيق بالمناسبة - مفتوح من عند الكعب...ليست قدمى...بل هو كعبى الذى يظهر.
لم أقصد المماطلة فى القول بأننى محجبة...نعم، أغطى شعرى بقطعة قماش من نفس لون الجاكيت الذى أرتديه الليلة.
كم أن محظوظة...فقد أحبنى الفنان رغم أنى محجبة...أكثر الله من خيره...نقى هو...ربما سئم ما تعرى من النساء...وربما سئم من حجابى ولكنه يجيد التظاهر بعكس ذلك.
وأخيراً أعتلى الكرسى ...كما أنه موقع رائع...بعيداً عن الصخب إلا أننى أراه بوضوح...هيا هيا...كفاك ظبطاً للإيقاعات واللأنغام...غنى لى...انا وحدى...الملكة المتوجة.
لم أراه طيلة العام الماضى إلا وركز كل إنتباهه لى أثناء الغناء...أعلم أنه يغنى لى أنا وحدى...آه،هذا الخدر الذى يسرى بأعصابى الآن وقد بدأ يغنى همساً هذه الأغنية...دائماً ما يبدأ بها فقرته...أتذكر الآن أول مرة رأيته فيها حين غنى هذه الأغنية وبدأنا قصة حبنا...يومها إنتبه لى أحد الحراس وأتانى ليزف الى الخبر المؤلم...مظهرى لا يليق بالمكان...يريدون أن يسلبونى قطعة القماش التى تتناسب مع الجاكيت الكلاسيكى الذى كنت أرتديه يومها...أيضاً.
بكيت ورفضت الهبوط عن الكرسى العالى...إنتبه حبيبى وأتى الى معتذراً بل ووبخ الحارس...شكرته بفائض آخر من الدموع وأكملت الليلة محبة إياه ومنتشية من إحساسى بكم أنا محظوظة.
نعم إنها قصة حب حقيقية...بها ما فى قصص الحب من سعادة وبؤس وحروب وتضحية.
إنتظرت طويلاً بعد هذه المرة حتى عرفت موعد الحفلة القادمة التى سيحييها وقلقت كثيراً أنها أيضاً بمكان ذو كراسى عالية...فكرت مطولاً وخطر لى أن أضحى أنا أيضاً من أجل حبيبى...سأحارب وأتنازل من أجله...ذهبت يومها بالموعد المعلن ووطأت قدمى المكان وإستمتعت بنظرات الإعجاب التى لاحقتنى...أعلم كم أبدو فرنسية فى الفستان الأسود الذى يزيدنى بياضاً ويزيد شعرى الأشقر وهجاً...لم أستطع أن أضحى وأظهر ساقاى فكان الفستان طويلاً...ركض الحارس نحوى عارضاً على أعلى كرسى بالمكان...وركض نحوى حبيبى متأسفاً...لم ينطق ولكنه نظر الى متسائلاً عن قماشتى التى كانت يجب أن تكون سوداء...إبتسمت فى حياء...فقال: الأول أحلى...ثم تركنى وذهب حتى يشارك الوجود فنه...كم أنا محظوظة.
توالت المرات والشهور وإعتليت الكراسى العالية ولم تفارقنى قماشاتى...حرص دائماً على أن يكون لى دعوة بإسمى حتى لا أشعر يوماً أن وجودى غير مناسب بالبارات...
لا أستهين بجسدى وأنا أشعر بإنتمائى الى رجل...وقد سئمت البحث عن سبب هذا...ربما فُطرت المرأة على حب الظهور الى أن يمتلىء قلبها وعالمها بإحتواء رجل ما...ربما كان التبرير فقير المنطق هذا هذيان إلا أننى أجد معظم المعانى مشابهة...إحتواء أخ ما ، أب ما ، حبيب ما أو زوج يحمى مخالب المرأة من حدتها. كم أنا محظوظة...ها هو من يحتوينى يصيب قلبى بالدوار من عذب ألحانه.

ها هو يمسك بالكونترباس ويلفه كثيراً كثيراً كثيراً مبهراً السيدات الراقصات والرجال المترنحين...وقلبى الذى يتشبع حباً له...وعقول نساء وحيدات يعتلين كراسى عاليه تمتلىء بخيالات تضمه وتضمهن...يا لهن من يائسات.

آن وقت الرحيل يا حبيبى؟؟!!
أستودعنى بنظراتك أم ستنسانى فى الزحام؟؟!!
آه، تذكرتنى بإبتسامتك المودعة...عمت مساءً حبيبى..أراك قريباً من إحدى الكراسى العالية.