الخميس، ديسمبر 31، 2009

حواجب اتراكتيف

(البت دى ايدها تقيلة بت اللزينا)
تعلم تماماً ان حاجبيها الغليظان اللذان لم تمسسهما يد تحمل ملقط يصعب التعامل معهما...فشعرهما متمرد على عظمتى الحاجب...متمرد رافض التشذيب...هارب الى اعلى واسفل والجوانب...سميك اسود يوحى بقسوة وقوة تفتقرهما مُنى تماماً...فلم تكن يوماً قاسية أو قوية...فقد اهترأت أعصابها من قسوة الآخرين وقوة بطشهم بها.

كانت مُنى نوعاً من البشر يكاد يكون قد خُلِق ليكون قاعدة تعذيب تشابه جوانتانامو...مُنتانامو!!!

فحزام ابيها اللذى عَلَم على جسدها اولى علاماته غلف عقلها بغلاف من الألم تحول الى جزء طبيعى من جوانب الحياة...مثل الشمس والقمر والنوم.
أما شتائم أمها من نوع :"قومى يا عِجلة امسحى أدام الباب"..."غبية زى ابوكى بالظبط...*** ام اليوم اللى خلفتك فيه" فقد عرفتها ماذا تفعل الحروف بارواح الناس...كم ترقى بها وكيف تنزفها.
ولكن ما احدثه زوجها من جروح فاقت ضحايا حروب دامية...كسرتها ثم ردتها الى ارض الأحياء عندما استجمعت قوة كونية لا تعرف من اين اتت ولا كيف استقرت بقلبها حتى تمكنت من الخلاص منه للابد متحدية يده التى لا تعرف الله وفمه الذى احترف سب الدين...ومتحدية اباها الذى انهكه العمر منضماً الى فريق امها ذو اللسان اخا الأفعى...ومتحدية انعدام ثقتها بنفسها وضعف حيلتها فقد كانت المثال الحى والتعريف العلمى لكلمة ضحية.

والآن...وبعد سنين من البكاء والإنكسار...وبعد ما رأت كيف رمقها كمال بإعجاب رغم تدنى ما ترتديه وتدلى ثدييها وتوحش حاجبيها استفاقت الى معنى جديد... (أنا موجودة...أنا أقدر)

- والله يا مدام حخليكى قمر...حواجبك حتبقى ولا هلال رمضان...هو حضرتك بقالك كتير ما جيتيش ليه؟؟
- الشغل والولاد بقى انتى عارفة
- آه طبعا...
- ايه ده...استنى...انا مش عايزة هلال...أنا عايزة حواجب أتراكتيف!
- هه!! حاضر...بس حناخد وقت شوية...
- ناخد!!

(ده اول راس سنة اخرج فيه فى حياتى...اللى طول عمرى بشوفه فى التايفزيون وابو العيال بيشخر جنبى حابقى فيه النهارده)

- ألو
- ايوه يا حبيبتى
- أهلا (ومعها اكبر ابتسامة تفتقت عنها شفتاها الرفيعتان)
- ازى القمر النهارده
- هاهاها...الحمد لله...وانت ازيك
- وحشتينى
- وانت كمان (وجهها تحول الى طبق عصير طماطم)
- حاعدى عليكى الساعة 10 زى ما اتفقنا...تكونى جاهزة وقمر يا قمر...ده انا حاسهرك سهرة مشفتيهاش فى حياتك
- (اتعدلت بقفزة فرحانة كطفل سمع عن رحلة الى الملاهى) بجد...طيب كمال...حنروح فين؟؟ (وفى خيالها صورة زينة والوان وموسيقى وراقصين اجانب ولافتة اكبر فندق بمصر)
- اجمد حفلة فى مصر...عاملها فى بيتى اللى هو حيبقى بيتك يا روحى.
-(نبرة خذلها ضياع الصورة السابقة وتغلب عليها قلق شديد) بيتك؟!! لا يا كمال...بيتك مينفعش...ميصحش كمان.
- (بنبرة وقحة) ليه بقى ان شاء الله...هو احنا صغيرين ولا ايه...(تحولت النبرة لانه يحاول تلطيف الامر) هو انتى مش واثقة فى حبيبك؟؟
- واثقة طبعاً متقولش كده...بس معلش...بيت مقدرش...آسفة...خلينا نروح اى حتة تانية.
- حاضر يا حبيبتى...اهم حاجة تبقى مرتاحة (بنبرة خذلها الرفض وتمثل الحزن لربما يصعب عليها وتغير رايها)
- ربنا يخليك ليا (ارتاحت )

(آىىىىى...يخرب بيت امك...خرمتيلى عينى مش بتشيلى حواجبى)

- ماما...انتى خارجة رايحة فين؟؟
- مشوار شغل يا حبيبى
- (نظر ابنها الصغير الى وجه امه المتغير والمتلون...الى فستانها الازرق اللامع ...وشعر بانها غير صادقة) طيب حتتاخرى؟
- لأ....آجى الاقيك نمت...اتفقنا؟!
- حاضر

الساعة العاشرة والنصف
الساعة الحادية عشر
الساعة الحادية عشر والنصف
الساعة الثانية عشر
ودقيقة....
نظرت الى حاجبيها الاتراكتيف اللذان ثَقُلا من الإنتظار وقالت: هابى نيو يير...

الثلاثاء، نوفمبر 24، 2009

صاحب مِلك

تدثرت بغطاء صوف خشن ثقيل...فى ليلة صيفية شديدة الحرارة زادتها رطوبة الجو ثقلا حتى باتت تشد الهواء شدا من تحت الغطاء الذى غطت به كامل جسدها ووجهها خوفاً من هجوم الصراصير عملاقة الحجم التى شاركتها وعائلتها بيتهم الجديد.
كان دوراً أرضياً مبنياً بالطوب والمُسلح وارضه اسمنتية وعرة لم تغطيها بلاطات تمهد طريقاً للحفاة أو أرضاً للنائمين .
لعنت ابيها فى سرها ووسط دموعها الف مرة كل ليلة بمجرد ان تبدأ معاناة التنفس تحت الغطاء الثقيل...وتاقت كثيراً لبيتهم القديم ذو الشرفة الواسعة والاثاث المريح وسط جيران عرفتهم واحبوها منذ نعومة اظفارها...تذكرت حياة عاشتها كانسانة...طفلة سعيدة بالقليل المتاح والحارة الطيبة وغرف بيتها الصغيرة التى تالقت بها ضفائرها اللامعة ولمبة مكتبها الذى شهد نجاحات مذاكرتها.
لعنت ابيها...سائق القطار...وطموحه...فقد باع بيتهم الصغير واشترى قطعة ارض بمنطقة مزارع وحرمهم الزاد والاثاث وسبل المعيشة الاساسية حتى يبنى اساس البيت ودوره الاول...كان البيت الوحيد على مد البصر بين المزارع...بلا كهرباء...ولا مياه ممتدة...ولا جيران.
"حرام عليك يا بو زينب...دى عيشة ولا الكلاب يرضوا بيها...ودينا حتة عمار...بناتى حيموتوا منى من القذارة والصراصير وفئران الغيط"
"بس يا ولية...انا بعمل ده لمين...مش عشانكوا؟!! عايزكوا تبقوا اصحاب مِلك...كام سنة والمنطقة حتدخل كردون مبانى ونبقى اصحاب ملك...البيت حخليه اربع ادوار والبنات شاطرين...حيبقوا دكاترة ومهندسي ..حيجيلهم عرسان متعلمين...عرفة يا ولية لو واحدة خابت فى المدرسة...والله لاقتلها...انتى متنحة ليه؟!! بقولك حنبقى اصحاب ملك"
وتنظر اليه الام مختنقة بالدموع وتنظر الى النافذة الصغيرة العالية والتى هى المصدر الوحيد للهواء وتقول: " ان شاء الله...ان عشنا!"
كانت زينب فتاة رقيقة الجسد عنيدة المِراس شديدة الذكاء...كانت الاولى بمدرستها دائماً وكانت جامحة الخيال...فتتخيل نفسها جميلة جدا كزميلتها حياة فتتعلم الحياكة وتصفيف الشعر وتبقى اياما تغزل فى صورة جديدة ترضيها...تتخيل لعبة جميلة لم تستطع ان تشتريها فتجوب الحقل المجاور بحثاً عن قطعة خشب او مسمار معوج وتبقى الايام تحاول وتحاول حتى تصنع ما تريد...وبقى خيالها مصدر بقاءها وعزيمتها مصدر قوة حياتها فتغلبت على الامراض المتلاحقة التى اودت بكثير من صحتها بسبب الحياة غير الصحية التى تحياها وتغلبت على كرهها لوالدها...ولكنها لعنته كل ليلة...وكل يوم عايرها اصحابها بحالها المزرى...فقد فقدت ضفائرها لمعانهما وانطفأت عيناها من بصيص ضوء لمبة الكاز...لم يتبقى لهم من المال ما يكفى للحفاظ على اقل المظاهر لياقة...فكانت مريلتها المتجعدة تزداد قدماً واهتراءا وابيها يزاد ادخارا ليبنى الدور الثانى...
وزينب...تنتظر الصباح كل ليلة فقد مقتت الظلام بلا كهرباء...تنتظر الصباح حتى يجيىْ...وحين تفتح باب منزلهم لترى المزارع الخضراء...تجرى...طويلاً...بسرعة...حتى تفقد ساقاها القدرة على الجرى...فتتعب...وتبدا فى تخيل حالها ببيتها القديم ذو الاثاث والشرفة...وتتخيل لمبة مكتبها الجميلة....وتتخيل...
ومرت السنين...وعَمُرت المنطقة...وارتفع البيت...ودخله الاثاث...وبدأت إمتحانات الثانوية العامة...واقتربت زينب من بوابة الحياة التى تمنتها...ورأت نظرات الأمل كل يوم فى عينى ابيها...ملاصقة لنظرات الزهو برؤياه الثاقبة وبعد نظره...فقد نجح...واصبحوا اصحاب مِلك!
اخذت زينب مقعداً خشبياً لونته يوماً بيديها واتخذت من سطح بيتهم مستقراً...نظرت الى اول شارعهم منتظرة مجىء ابيها بخبر نجاحها...سيهرول سعيدا بمجموعها الكبير وستزغلل كلية الطب عيناه...هكذا اعتقد...ابتسمت...بل ضحكت عالياً...ضحكت كثيراً حتى بكت...بكت كثيراً...فسنتجح...نعم مؤكد ستنجح فكبريائها يمنعها من الرسوب...لكنها...
وتعالى نداءه....
"زينب...يااااااا زيييييييييييييييينب"
نزلت اليه ببطء ونظر ثابت...وتلقت الصفعة بنفس الثبات...
"انتى؟؟ 50%؟؟ استحالة....راحت الطب...حتدخلى معهد...ضيعتيلى حلم عمرى"
"ليه...مش بقيت صاحب مِلك؟!!"

الاثنين، نوفمبر 09، 2009

طلاء أظافر للوداع

نظرت الى اصابع قدميها وازدرت اهمالها لهم...فقد تشقق طلاء الاظافر الاحمر القانى كما تشقق قلبها من عذاب رؤيته ينتحر كل يوم.
فكرت للحظات فى سبب الاهمال...فلديها الوقت...ولديها الطلاء...ولديها الحب الذى احبت دائماً التزين من اجله.
لم تجد الا خوف استقر بقاع نفسها وتخفى فى ثوب امل...خوف من شقاءه...ويأس من شفائها.
رن هاتفها حاملا صوته الذى يعيد الابتسامة الى شفاها...فاعادها...ولم تنظر ثانية الى اللون الاحمر القانى المتشقق...بل نظرت الى الطلاء...اعادت البسمة الى وجهها...جسدها واظافرها...اعتنت بكل ما فيها...تهيأت كعروس لمقابلة حضنه الدافىْ.
انتظرته جميلة منتعشة محبة...
لم يأتى...
لم يأتى حتى رفضت ان ياتى وعلت ابتسامة اليأس المتشفية...عايرها الياس وذكرها انها ضريرة منذ زمن ولكنها رفضت ان تصدق بالرغم من الظلام الحالك والتخبط...
انتصف الليل وهى تحاول الخنوع للهزيمة...
اعلن الفجر يوماً جديداً وآلاماً مديدة...
واستحال الاحمر القانى الى طلاء اظافر... للوداع...

الأربعاء، أغسطس 12، 2009

أنا الأعظم

-- لا...لست الأعظم...أرفض أن تكون أنت الأعظم...ولا يصح إستخدام الصفة تلك فالعظمة لله وحده.
- أنا الأعظم
-- لم تكُ أبدا...رأيتك قاسياً تمطرنى بسوطك النحيل ألما...رأيتك متخاذلاً أمام من هم أكثر منك مالا وجاها
- أنا الأعظم
-- لم أراك هكذا...ليس وأنت تداعب طفلة بعمر الزهور بدت عليها أطياف أنوثة بذلك الشبق...كنت يومها - بنظرى - الأذل!
- أنا الأعظم
-- وما العظمة فى القسوة وإزدراء من هم منك وعاشوا اليك؟ ما العظمة فى تشويه أنفسٍ رآها الجميع جميلة ، إلا أنت؟
- أنا الأعظم
-- لم تكن يوم جلدنى حزامك على مرأى ركاب قطار الصعيد الذى شهد مذلتى طفلاً وشاباً...ولم تكن يوم رميت زوجتك بسيجارة انطفأت بقلبها قبل جلدها...ولم تكن يوم استحللت مالى وصررته بجوفك خالياً من عدل وأمانة
- أنا الأعظم
-- ظننت خطأ أن الذكاء والقوة إذا ما إقترنا بقسوة وسكنا قلب ميت صارا عظمة!
- أنا الأعظم
-- العظمة فى الحب والخيروالعطاء والحنان...العظمة فى كبرياء وذكاء لم يخربهما الشيطان.
- أنا الأعظم
-- مِن مَن؟؟ أعظم من بنين وبنات لم يتمنوا الا رضاك او موتك؟ من أبناء أهابوك رغم إحتقارٍشديدٍ لشاربك الذى طالما طاله ما طالهم من بصاق؟؟ من إمرأة لم ترى منك لمحة حنان يوماً؟؟ من أهل قريتك الذين جهلوا علمك ولكنهم فاقوك رجولة؟
- أنا الأعظم
-- لا أريد أن تسمعنى هذه الكلمة ثانية...إرقد وإنتظر موتك فقد طال وتأخر...
- أنا الأعظم
-- لا تنطقها ولا تنظر الى بمعناها و اسكت رنين ضحكتك القاسية وامسح شبح إبتسامة التعالى التى أعرفها أكثر من ملامحى.
- أنا الأعظم
-- بل أنا الأعظم الآن...أنا الأعظم!

الأربعاء، يوليو 01، 2009

دماً أخضر شفاف

رأيته يُصَبُ صباً بأوردته...دماً ردىء النوع...أخضر شفاف...
رأيته يحوله من حب الى كراهية...من نور لظلمة...من أمل ليأس قانط...
رأيته يجلد نفسه كرهاً بزجاجات فارغة...أفرغها جوفه ليتبدل الى مارد خانع هزيل...لا يعرف من الدنيا الا زقاق...ضيق يكاد يغرق فى ظلامه لولا إضاءة خافتة حمراء...تذكره بموت قد يقترب...وموت همس له يوماً...وموت لمسه ثم أشفق على روحه الطيبة...
رأيت الدم الأخضر الشفاف يطيح بها ليرطتم رأسها بحائط...وقلبها برمح...رأيته يتمهل بطيئاً بطيئاً فى العدو نحو النهاية...رأيته يبكى جراحها وكدمات إنغرست فيها بسببه...رأيته يسبها بآلاف الكلمات المؤلمة حتى يحرر ما به من غضب...
رأيته كثيراً...رأيت عينان تتحولان الى زجاج...رأيت أيدٍ باردة...رأيت قبلة طعمها حلو المذاق...جوفها مُر العلقم...رأيته مزدحماً وصخب...
رأيتها تذبل حتى الموت...
رأيتهما ينتهيان...فى صمت غاضب...من كليهما...
ورأيتنى أكتب عنهما...بغصة تكاد تفقد الوعى...تكاد تنهى ما تبقى لى من أنفاس...تكاد تقسم أن بى مساً من الجنون...وتكاد تنسينى من أنا!

الأربعاء، يونيو 17، 2009

تنظيف للصيف

إختبئت يوماً وغلقت نوافذى وأبوابى وهواتفى وعقلى...قررت أن أبدأ رحلة التنظيف الصيفى فى هدوء وبلا مقاطعات هزلية من نوع "ألو"، "إزيك"...نعم...كنت حانقة على كل شىء حتى نفسى بل أنى أكاد لا أتذكر متى سعدت بمحادثة أو لقاء لم يملؤهما الهراء...كل شىء أصبح فى عقلى سواء... إستواء الحجر الأصم...فلا معنى ولا قيمة.
كانت حالة إكتئاب موسمية ، فى هذه المرة كانت صيفية وهى تختلف عن سابقتها الشتوية كثيراً وأحمد الله...فالشتوية ...لا لن أتذكرها كفانى ما أنا فيه...سأنظف دولابى الصيفى من ملابس إهترأت وملابس إتسعت وملابس علقت بتواريخ تشدها الى عقلى شداً...سأبقى الجيد والمريح والهادىء من ملابسى...وليغطى جسدى كل ما هو بلا ذكرى...كفانى ذكريات...أذكر المعطف الأسود الذى واظبت على إرتداءه طيلة الشتاء...ظل يثقل ويثقل ويثقل حتى كاد أن ينهارظهرى من حمل ما تعلق به من ذكريات...أفكار ثقيلة وأحاديث ثقيلة وسخافات دنيا أيضاً ثقيلةً...خاصة بالشتاء...
بنطال زهرى أصغر منى بثلاث مقاسات... لم يضيق على بل إبتعته وهو صغير وانا فى حالة تفاؤل وإشراق حيث إزدهر امامى وعد فقدان الوزن...فقدت الوزن ولم أرتديه...وزاد وزنى ثانية حين تذكرته...آن الأوان أن يذهب هذا البنطال الى من يناسبه... كفانى تعلقاً بما ليس لى وكفانى تبريرات واهية لأسباب إحتفظى به...فإن زهده عقلى لرمته يداى...آن الأوان.
بلوزة شفافة سوداء...إرتديتها مرة وأنا أثق أن ما تظهره من بياض تحتها سيحلو لزوجى جداً...أعشق أن أبدو مثيرة بعين رجلى...وأنسى تماماً وجود غيره على وجه الأرض ولطالما حسبت ذلك من محاسنى القليلة...أنى لست وراء إعجاب الا رجل واحد فقط...لا أتمايل على هذا ولا أترقب نظرات ذاك ولا يعجبنى إطراء تلك...فقد رأيت فى حياتى نساء كالطيور...تحب كل الزهور...تسعى للفت كل الورود...تلعب على إستدراج تعاطف كل الفحول...وهى بريئة وقوية وذات مبدأ...يختفى وراءها عهر إفتراضى...عهر أدواته العقل وليس ساق وصدر...سأحتفظ بها...فهى تشعرنى بجمال لايدنس روحى ولن يراه غيرى.
حقيبة كبيرة بها ملابس داخلية قديمة وجديدة وكلها غير مريحة...لن أنظر بالحقيبة...أتذكر بعض ما بها...وكثيراً من ما بها سأذكره وقت أن تلمسه يداى وسأشهق من ذكرى ستلطمنى وذكرى ستقبل قدماى...لن أنظر ولا أريد أن أحتفظ بأى منها...ولا أعرف كيف أتخلص منها...لن أعطيها صدقة فهى ليست محل ثواب..ولن أهديها لصديقة فلن أحمل من أحبه ما دنس... ولن أسكنها سلة المهملات فلم تكن أبداً خطيئة...سأطلب من أمى أن تتولى التصرف فيها...أنا لن أنظر فيها..فأنا أثق بأمى...فليحتملها غيرى!
آه...أحب هذا القميص الأزرق جداً...ومثله الأحمر...أتذكر من عدة سنين عندما إشتراهما لى والدى من إحدى البلاد الأوروبية...وأذكر أول مرة إرتديت فيها القميص الأحمر وتناولت الغذاء مع صديقاتى فنانات اللسان...أتذكر إحداهما حين علقت على القميص أنه رجالى ولا يظهر من فتحة العنق الكثير...وأتذكر الأخرى وهى تبادرها دفاعاً عن قميصى وكأنها تدافع عن شرفى وقصدت ألا أعلق على بعض الكلمات التى تبين أن من إئتمنتها على أسرارى وأفكارى ، رأت فيهما مجال حديث ممتع مع غيرى...ضحكت يومها ولم أجعل الموقف يستوقفنى لكنى بعدها علمت بأقاويل وحكايات نسجت خلف ظهرى...علمت بأحاديثى التى تناقلتها الصديقة...وعلمت بردود الأخرى...لم أعاتب أياً منهما فأنا أعلم كم هو من الصعب على الفتيات الإحتفاظ بأسرار الآخرين...ولن أدعى أنى أفضل منهن..حسناً ربما قليلاً...وأستحق الفضل حيث أنى لم أروى قصصهن لأخى ولا أمى ولا أعز صديقاتى ولا حتى أتفه الأخبارهن...لم أعاتبهن ولكنى غضبت على قميصى الأحمر...ما ذنبه لتتطاله أحاديث فارغات العقول ضعيفات النفس..فهو جميل ومريح وناعم ويستر جسدى كله...سأعطيه للخادمة وأبقى الأزرق...فهو لم يتحدث فى حقه أحد.
لا أحتاج هذا ولا ذاك ولا هؤلاء...وأيضاً هذه الحقيبة وصف الأحذية الأول وكل ما بالرف العلوى من خزانة الثياب...
سأهدى هذا الفستان الجديد لجارتى وسأعطى هذه البيجامات للفتاة مصففة الشعر الجديدة فقد قارب ميعاد زفافها...
وهذه الشماعات لا تحمل الا ذكريات غبرة وقديمة لن أحتاجها...وقميص النوم هذا المشقوق عند صدره لما أبقيه؟؟؟ كم أنا مجنونة حقاً...لما أريد ما يذكرنى بحالة إنهيار...سأقطعه أجزاء صغيرة وأستخدمه فى تلميع الكريستال...لا...فى تنظيف الأحواض...
قميصى الأبيض الجميل...أحب ما لدى...كتبت أولى أشعارى وأنا أرتديه زهواً بلونه الناصع البياض وإنعكاسه على وجهى...قابلت حبيبى به لأنى أعرف كم تبرق عيناى وياقته تحتك بذقنى...عزفت به نغمات شوبان أول مرة لامست أساوره مفاتيح بيانو جدتى العتيق...إصفر قليلاً؟ّ! سأبقيه دوماً ورغماً وأبداً...
آه...تعبت حقاً ...ألهث كأننى جريت سباقاً...كأننى دخلت متاهة صعب على الخروج منها...
الآن يجب أن أرتب ما تبقى...سأطويه بحرص وأعلقه على شماعات مبطنة حريرية وأنعم بخزانة ملابس شبه فارغة...وأنعم بصيف آمن بمكان ما حيث الهدوء والراحة والسكن...
ولن أتسوق قبل شهرين على الأقل من الآن...أريد أن أستخدم ما أبقيت وأشعر بقيمته ...لا أريد الإضافة وما هو جديد وتجارب وقياسات وحسابات...كفانى نهم وملء فراغ روحى بأغطية جسد...أريد القليل الجميل...ولأهدأ!

الأربعاء، مايو 20، 2009

آدم

إختار إسمه بعناية...فهو إسم برى...بدأ به الإنسان وجوده...بدأ عارٍ...لا يعرف من الحياة الا ربه...وبعد قليل عرف أنثاه وشيطانه...تآلف مع الملائكة وكان أول شعوره: الخجل...فوارى عورته...إسم نىء...إسم به أول ما عرفت البشرية من رجولة...من معنى وبداية للسلالة...
إختار إسمه بعناية حتى يجد العربى والعجمى معانى القوة والإنفراد به...ربما كان إسمه حقاً...تساءلت أحياناً ...إلا أن طابعه وملامحه وعقله بهما ما دل على مخطط مرسوم إنتزعت منه التلقائية والحقيقة...حقيقة الإجابة على سؤال إسمه: من؟؟
أما حقيقة أن به ما فى الإسم من أصداء تكاد تكون الحقيقة الوحيدة التى ينطقها...دون أن ينطقها.
دققت بملامحه ذات يوم لأجد به براءة صاخبة...حيوانية رقيقة ...وقوة ظاهرة لم يغلفها شىء...فهى أصل البرية التى يعيشها وهى قلب صندوق أدواته من أجل البقاء...لم أعرف يوماً لما إختار هذا النوع من البقاء...البقاء كمرافق للأغراب من غير أهل البلد...راقه كل من هو أجنبى ليموه جسده بهويته ويختفى عمن هو أصلاً...
تحدث الإنجليزية بطلاقة حتى أننى شككت يوماً فى جذوره...تحدثها دون أن يتعلمها بمدارس العملة الصعبة...تعلمها من مصاحبة أهل اللغة من الوافدين الى بلدنا السمراء...من المنبهرين بأبناء بلدنا السمراء...فاللون الأسمر الذى طال الأرض والماء والأبناء هو ما يجذبهم إلينا حقاً...
رأيته يوماً بقامته ووسامته ونظراته الثاقبة..عيون سوداء تظللها حواجب ثقيلة كانها سور من حجر صوان...عيون تكاد تثقب قلبك لتنهش ما به من ضعف...نعم...تبحث عنه وتترقبه وتصطاده لتنهشه لتحيا...نعم...الضعف.
رأيته وقد أتى وجلس بجانبى يحاول أن يشد بصرى المثبت بالطريق الى فحولة عيناه...بداخلى أقسمت ان لا أنظر اليه فيعرفنى...أنا أيضاً أختبىء ولكن وراء إسماً حقيقياً لا رمزى...ولن يكشف غطائى أحد...
فشل فى محاولة جذبى بنظرة وهذا أخافه...فأدواته إنتثرت أرضاً...وبدونها سيطر عليه غباءه فقفز عشر خطوات للأمام دون حساب...ثرثر بلا خطة عن أزمته المادية ومشروعه العبقرى وشركاؤه الدبلوماسيين الأجانب...إقترح المشاركة والشراكة وأعطى مجالاً للعملات أن تتخذ مكانها بوسطنا...دولارات وجنيهات ويوروهات كثيرة...لعبت ورقصت فوق جبهته وأنا أكتم ضحكات بداخلى وسُباب...وكتمت أكثر رغبة مُلحة فى أن أعدل له الخطة بحيث يكون هناك مجال لنجاحها ...لا مجال لفقد السيطرة وقت محاولة إحكام السيطرة...الا أن سخف الفكرة ونصحى له بالنصب على فارقنى عند أول مدخل الشارع الكبير...لم يكن مضى على وجوده بسيارتى أكثر من عشر دقائق عندما أقنعته تماماً بأن لى عودة بعد قليل...وعندما ترجل نظرت بمرآة السيارة الى الخلف فوجدته يشير الى أحد ما علامة الفوز...الفوز بماذا أيها البله؟؟ رغم أننى رفضت طلبه...كيف يمكن أن يطلب بأول لقاء...وكيف يمكن أن يكون الطلب خمراً...ولما التساؤل وهو يجد "آدم" بألسنة العجم وإيقاعهم...فليشرب الخمر ويتلون بألوانهم...فيصير آدم بحروف لاتينية تبعده كثيراً عن أباه الجالس بشرفة منزلهم بالعباسية...فهو لم يقم من جلسته هذه منذ زمن الا لينام أو يفضى ما بجوفه...قد تتوه عن عينيه عدد الشروخ التى زينت حائط تلك الشرفة...وماذا شهدت من طفولته...أراد أن يبعد بالزمن والهوية وينسى شرفات وشوارع وثياب بالية حاولت إخفاء حقيقته إلا أن أباه لن يختفى...ليس حالاً على أى حال...فهو جالس بالشرفة ليل نهار ينتظر قدومه من عقول الفرنجة الى ملابس إختصها للعناية بوالده وغسله يوماً بعد يوم...وقتها لا ينطق الإنجليزية...لا يستطيع...سيعرفه اباه ويظنه غريباً...
آدم...كان بعقله عوالم كثيرة...قريبة وبعيدة وعزيزة...عزيزة فقط هى من تنطق آدم...بحروف لاتينية!

السبت، أبريل 18، 2009

الآن...كثيراً

"ليه يعنى ميجيبوش انتريه عادى...قماش عادى...لازم الجلد اللى بيسخن ال....الواحد!"

كرهت الإنتظار...تتعالى ضربات قلبها ويتعالى حنقها من طول الإنتظار...عندما تريد شيئاً...فهى تريد الآن...كثيراً واللآن..وهى تعرف ماذا تريد ومن ... كثيراً والآن...بيد أن الأخير لا يعرف له موعد ولا عنوان .

إنتظار طبيب لأكثر من ساعة أفقدها صوابها.

تذكرت أيام طفولتها وهواية أمها العجيبة فى إصطحابها لمشاوير بها الكثير من الإنتظار...وتذكرت أيام طفولتها وهواية أبيها فى إطالة السفر والبعد وطول إنتظارها له.
وتذكرت ليال لم تحتمل ساعاتها ولم تستطع إجبارها على الإسراع مهما بكت ومهما عضت أناملها من قسوة إنتظار الصباح حتى تأتى أمها - فى هوادة - لأخذها بعد عطلة نهاية أسبوع ملؤها الإنتظار ببيت أبيها...


إلتقطت هاتفها الجوال من حقيبتها بعد سماع أول مقطع من أغنية الجاسمى" قول رجعت ليه يا حبيبى..." تعرف من صاحب هذه النغمة...اطالت عنقها زهواً ببقاء تأثيرها المحبب عليه...وإنتظرت سماع جملة أخرى من مقطع الأغنيه قبل أن ترد ... أنه هو المتصل فهو دائم الرجوع...من كان حبيبها وظل ...يغيب وتنتظره طويلاً حتى تنسى او تتناسى انه عائد فتنفرج اسارير قلبها المشتاق وتنشغل فى الدنيا وما فيها...يعود ليرن بكلمات عودة الحبيب: "ضعت بعدى؟؟ كرهت بعدى؟؟ وجيت ندمان خلاص..."



" ألو"
" ألووو" بصوت مرح كان لم يمضى على غيابه ساعة
" أهلاً وسهلاً...حمد الله على السلامة"
" هى هى هى...الله يسلمك...عاملة ايه"
" فل! كله تمام"
" جميل جميل...حاشوفك امتى؟"
" نعم!!!"
" ايه...بسألك حاشوفك امتى"
" انت عايز تجننى؟؟؟ تشوفنى ليه...هو انت تغيب بالشهور وبعدين تظهر فجأة مرح وبتضحك وهوب خلاص حاتنطط من السعادة بقى واجرى عليك؟؟؟ انت غلطان...انا مش فاضية...بعدين لما افضى بقى ان شاء الله"
" ايه كل ده...انتى زعلانة منى ولا ايه"
" لأ فرحانة"
" ههههه زى الولاد الصغيرين...كنت فى بيزنس تريب يا حلوة...قولى لى ...وحشتك؟؟؟"
" أوى..."
" نتعشى مع بعض النهارده"
" طيب"
" ونفطر..."

انهت المكالمة دون رد...تعالت ضربات قلبها غضباً من تعاليه...عجرفته أفقدتها صوابها...يعلم تماماً انها ان رأت خيال خياله يلوح لها فستجرى هرباً الى قلبه من قسوته ...كادت ان تبكى...غيظاً وحباً وشوقاً وامتهان!!!
نظرت يمينها الى السكرتيرة المنهمكة فى ترتيب ملفات الطبيب وصاحت بها :


" مش كده يعنى...اتأخر اوى الدكتور...فى حاجة اسمها مواعيد وانا واخدة ميعاد...لو سمحتى كلميه اذا ماجاش انا حامشى"
" اهدى يا فندم شوية...حاكلمه حاضر"
رأت الفتاة وقد أخفضت صوتها لتقول للطبيب - ربما - أن هناك سيدة تصيح بها وتكره الإنتظار...
لا...لا يعرف أحد كم تمقت الإنتظار..تمقت أن تسلب حريتها من أن تأخذ ما تريد الآن وتواً!!
همت واقفة عندما لمحت الطبيب وقد دخل مسرعاً من باب العيادة الى مكتبه ...شدت عليها البلوزة الحمراء الحريرية ودخلت له وقد إصطنعت إبتسامة على وجهها:
" إزيك يا دكتور...إتأخرت عليا أوى...بس معلش!!"
" أهلاً يا مدام...سورى معلش انتى عارفة الطريق...إتفضلى...قولى لى بقى...أنا شايفك أمورة...جاية لى ليه؟؟"
" ههههههه...ميرسى يا دكتور...بص... انا رياليستيك جداً فى رغباتى ، بس بليز قوللى رأيك...أنا عايزة أشد وشى ورقبتى...بص...بص وشى تراخى ازاى...وعايزة حواجبى ترتفع شوية عشان تبرز عينيا"
" إنتى عندك كام سنة يا مدام...وآسف على السؤال"
" لا لا اتس فاين...انا عندى 38...مش باين عليا صح ههههه"
" فعلاً...حضرتك لسه بدرى على موضوع شد وشك ده...بس اهم حاجة عندنا هنا الراحة النفسية...اوكى تحت امرك "
" انت هايل يا دكتور ههههه...ده بالنسبة لوشى...أما جسمى فانا من فترة كده كنت خسيت سبعة كيلو...حاسة نفسى محتاجة شد شوية من عند البطن...وياريت الصدر كمان لان من ساعة الولد الزغنن ميدو وانا مش عاجبنى صدرى...عايز يصغر نمرة واحدة بس مش كتير... وكنت بفكر لو حتشفط من عند البطن...هل ممكن يتحقنوا تانى بس عند الهانش؟؟؟ عشان يعنى الكيرف بتاعهم يتظبط اكتر؟؟؟"
" مدام...ممكن آخد مقاساتك؟؟ اتفضلى ورا البارافان"
إمتدت يده بقلم سميك يرسم خطوطاً طولية وعرضية ودائرية على وجهها وجسدها...خطوطاً تحاول تتبع آمال وهمية بالعودة الى سنين النضرة...خطوطاً تمحى حالة الإنتظار القادمة لشيخوخة لابد منها...كانت خطوطه زرقاء سميكة...إمتدت لتحول قامتها الى طرق ووديان...تكسر الخط بأكثر من موقع ففقد إستقامته لما قابله من ثنايا جلد إحتوى هذه الروح وما بقالبها...
نظرت بالمرآة لترى نفسها وقد تغطت بخريطة ستدل مشرط الطبيب يوماً ما على ما يجب قطعه ولصقه...حتى ترضى بحالها...شردت بخيالها ورأته وقد عاد اليها بليلة زادها القمر سحراً وقد بهره جمالها وروعة تقاسيمها...
كم مضى وهى على ذات الحال؟؟ تبتاع الثياب بذوقه ولعينيه...تهتم بشعرها لأنامله وإثارة إعجابه بعطره...
كم سيمضى بها وهى تعيد تصميم جسدها من أجل يديه؟؟
" بس كده...كده ممكن نعدل كل اللى انتى عايزاه...تحبى تعملى العمليات دى امتى؟؟؟"
" ينفع كلها فى يوم واحد؟؟ وحافضل اد ايه لغاية ما ينفع اقابل الناس وماتبنش جروح؟؟"
" لا ما ينفعش...حنعملهم على ثلاث مراحل...والوقت...انا بيتهيألى بما ان بشرتك فاتحة ممكن ست شهور ماكسيمم وتبقى سوبر ستار هههه"
" إيه؟؟؟!!! ست شهور يا دكتور كتير اوى!!"
" يا فندم مش جلد وانسجه بتحتاج وقت تلتئم!!"
مشت لسيارتها وهى تحاول حساب الأيام وكم طال إنتظارها له بآخر رحلة غياب...ربما غاب حتى تلتئم الجروح...ولتنتظر هذه المرة أيضاً...ستكره الإنتظار...لكنه إنتظار لهدف رائع...سيحبها أكثر وسيتعلق بجمالها ولن يحتمل قلبه بعدها فلن يغيب بعد الآن...
ستلتئم روحها بعد التئام جروحها...رأته وقد إحتضنها عمراً بأكمله...رأتها سعيدة غافية بإطمئنان بين ذراعيه...رأت الدنيا سهلة حلوة...رأت عيون مبهورة بجمالها الذى اختصت به رجل واحد فقط...رأتهما يمشيان على بحر تلألأت به نجوم وشموس...رأته...محباً...بحق.
طمأنت نفسها وإبتسمت لحلم سعادتها الذى يبعد ستة أشهر.....وستنتظر...


الجمعة، فبراير 06، 2009

حتى العنق

يحكنى ظهرى كثيراً
تؤلمنى ساقاى كثيراً
كثيراً
يا ليت يأتى مصطفى الآن فينظفنى ...كثيراً
آه...كم مضى من الوقت؟ يومان أم يوم...ربما أكثر...أين ساعتى؟ هل سرقتها تلك العاهرة؟؟

" يللا يا احمد ننضفها بسرعة قبل ما الناس تيجى"
" ريحتها تقرف...قبر...انا مالى انا ومال القرف ده!"
" إخرس يا ولد!...دى جدتك يا حقير...يللا ...ساعدنى أرفعها شوية عشان أغير ملايتها وغيارها"
"برازها وصل لصدرها...انتى مبتنضفهاش خالص"
هل يتحدث عنى؟؟ من هو؟؟ أعرف الحقيرة التى تقلبنى بقسوة فأكاد أنكفىء على وجهى...إبنتى العجوز...كانت صغيرة يوماً ما...أعطيتها كل مصوغاتى حتى لا يرثهم غيرها...أريد أساورى يا عاهرة...أين أساورى...نعم يتحدثون عنى فأنا الوحيدة التى وصل وسخها العنق.

" ما هو مصطفى ماجاش بقاله تلات ايام...وانا مش حقدر اشيلها للحمام"
" ما يشيلها زفت ابنك محمد...دى كلها ما تجيش عشرين كيلو بعد ما كشت كده"
" ربنا يريحها ويريحنا بقى!"
" انا ماشى!"
" رايح فين يا زفت انت...لسه عايزة اغير الملاية اللى تحت"
" قرفت خلاص"

آه...إنها حفيدتى الجميلة ابنة صغيرى المفضل قد أتت لزيارتى...اعرف انها لا تحبنى ولكنها لا تمقتنى مثل الحقراء الآخرين...من كان يصدق ان ارقد بلا حول ولا قوة...لا استطيع ان اتحدث ولا احرك يدى...
لمادا يتحدثون عنى وكأنى فى غيبوبة...أيها البلهاء...أين صوتى الذى زلزلكم كثيراً...أين لسانى الذى أذاقكم من مراره كثيراً...هل تشمتون بى!
" لازم تجيبولها ممرضة تاخد بالها منها يا طنط...او نوديها مستشفى"
" منين بس يا حبيبتى...دى مش سايبة ولا مليم...وبعدين انا مش مخلياها ناقصها حاجة...ده انا ضهرى بيتقطم من كتر ما بشيلها للحمام"
" انا تحت أمرك يا طنط فى أى حاجة وربنا يعينك بس برضه ممرضة أحسن"
حتى انتى يا حفيدتى الجميلة...حتى انتى بلهاء...أتصدقين هذا الهراء...خذينى لبيتك أو للمستشفى...ألا تشمين رائحتى...أزيحى غطائى قليلاً لتجدينى أسبح فى قذارتى...من كان يصدق ان يؤلمنى كل جسدى ...حتى التفكير يؤلمنى...من كان يصدق أن أتحول الى جيفة حية يتمنون موتها.
يا حقراء...ليتكم رأيتم كم كنت أدير رؤس المعجبين بزامنى الجميل...حتى بإيطاليا...لن أنسى حين تقدم الى ماركو ليطلب مراقصتى متجاهلاً زوجى...أبا هذه العاهرة التى تنسى إسقائى بعضاً من المياه قبل أن تنام...أو ربما لا تنام...ربما تشاهد فيلماً سخيفاً مثلهاً...أو تثرثر مع ماجدة جارتها العانس القبيحة....أو ربما تترك زوجها البائس يضاجعها وتتركنى عطشى...طول الليل...حتى أشعر أن قنفذاً سكن حلقى...أين ذهبى وساعتى؟!!
" ازيها دلوقتى " سألها مصطفى وهو يرمقنى بإبتسامة حنونة...آه...الآن سينظفنى...إن ظهرى يحرقنى حقاً...هيا...لا تثرثر...هيا إحملنى للحمام.
" طيب ، أنا حاخدها أحميها بقى بعد ما الضيوف يمشوا"...لا أيها الحمار...الان...ظهرى يحرقنى ....الآن.
" لا يا مصطفى...الجماعة مش غرب...حنشرب إحنا القهوة بره فى الصالون لغاية متخلص...أصل إنت مش مضمون...لو مراتك كلمتك حتطير وتسيبنا هىهىهىهى "
" حاضر"
أخيراً مياه ساخنة غير بولى....أخيراً سيحك ظهرى باللوفة وسأكون نظيفه...ليته يستخدم صابون صهرى البائس...فهو مستورد ورائحتة جميلة.

" يا سعاد...يا سعاد...تعالى بسرعة"
لماذا ينادى تلك العاهرة...لن تساعده...لا أريدها...هى قاسية وستمسكنى بقوة وعظمى الوهن يؤلمنى...لا أريدها يا أبله.
" فيه إيه يا مصطفى...مالك مذعور كده ليه"
" بصى يا سعاد...جلدها بيطلع فى الليفة"
" يا نهار إسود....لااااااااا...إيه القرف ده....طب بطل طيب"
" ضهرها متبهدل يا سعاد وجلدها باظ حرام عليكى...إنتى مش بتقلبيها زى الدكتور ما قال؟!!"
" طبعاً بقلبها...ده انا مابنامش طول الليل عشان اقلبها واشربها ميه"
ها ها ها...مازالت كاذبة محترفة...تماما كما أتذكرها دائماً...لماذا يبالغ مصطفى هكذا...لا يمكن أن يتساقط جلدى...لا يمكن أيها الأبله.
إحملنى ولا تناديها ثانية...لا أحب صوتها...عالى جداً وحاد...مثلى ها ها ها
متى سأموت؟؟ الآن أم غداً...يا ليته الان...سأرتاح وأنام طويلاً ولن يحكنى ظهرى ولن يقتلنى الظمأ ...هذا أكيد...
ولكننى خائفة من الموت...ماذا سأشعر...بألم فى حلقى وإختناق...أرجل شديد الطول والنحول والسواد هو من سيشد روحى ببطء مؤلم ...وهل سأراه أمامى يفعلها.
متى سيأتى الرجل...أنتظره منذ فترة طويلة...هل سأراهم يمثلون البكاء والحزن أم هل سأكون فى عالم آخر أم لن أشعر بأى شىء لأننى سأكون قد عدت الى العدم؟؟ ستفرح بخلاصها منى تلك العاهرة...أين هى بأى حال؟!
إننى عطشى...كما أنهم نسوا أن يتركوا لى بصيص من الضوء...لا أرى أى شىء ولا حتى الأطياف التى أراها كل يوم...
من كان يصدق!

السبت، يناير 24، 2009

فى الصحراء

لثام أسود وسواعد قوية وحصان عربى أشهب خطف أنظارنا جميعاً...
فإبنة عمى أصرت على قيامنا بهذه المغامرة...وعلى الرغم من أنها ليست من المفضلات لدى لدلالها الشديد وأنانيتها المفرطة ألا أننى قبلت مرافقتها...فأى شىء أفضل من تمضية يوم بحديقتنا مع زوجة أبى...
ها هى ذى ترتدى أفضل المجوهرات برحلة صحراوية إمتطينا فيها الخيل لساعات طويلة...إن أباها لن يبخل على أميرته بحرائر الهند ولا ماس العالم...وكذلك أبى معى....لا أعلم إننى فقط لا أحبها كثيراً...
على أى حال لا يهم فأنا ذا أمتع نظرى بفارس مغوار شد إنتباهنا جميعاً بتمكنه من حصانه على رغم السرعة الشديدة التى نزل بها من التلة البعيدة...وكأنه جزء من هذه الصحراء...
لم أسمع صيحات إعجاب إبنة عمى المزعجة...فقد بََطُء الوقت وأنا أنتظر إقترابه من ركبنا...أردت رؤية وجهه الذى تلثم بالأسود...
لمحت بطرف عينى إبنه عمى تحاول إصلاح هندامها الذى تأثر بجو الصحراء وهدهدة الخيول..ظنت هى أن أناقتها تكفى لشد الفارس إليها إلا أننى لم آبه لما رغبته ...فقد كنت أنتظره...وها قد أتى...
ترجل بخفة وشد لجام حصانه متجهاً نحونا...حل عن لثامه فظهر وجه عربى تناغم مع الصحراء والخيول القوية...ملامحه تنم عن صلابة وثقة...عيناه فى سواد الليل الحالك وسيقانه الطويلة زادته جاذبية...
إقترب قليلاً وركز بصره علىّ...على عيناى تحديداً...أعرف أن لكحلهما سحر خاص يماثل سحر سوادهما البراق...إبتسمت فى خجل من طول نظراته وسرحت فيه...بل وتخيلت شعورى وأنا بين تلك السواعد القوية أنظر لفوق قليلاً حتى أنهل من سحر عينيه...وأفقت على صوته يصيح:
" إنت يا بن الجزمة...مش قلتلك ميت مرة تحطللى السرج السعودى...أما إنت صحيح حمار...عايز تكسحنى يا روح أمك...أفرج عليك نزلة السمان كلها دلوقتى...غور هاتلى كوز مية"

الأحد، يناير 11، 2009

بجوار الموقد

أتذكر الآن أيام صباى بالأسكندرية...لم أكن أفضل حالاً بل كنت أسوأ...شعرى الأشعث الذى لم ينجو أبداً من هواء البحر ورطوبته، معاملة أهلى السيئة والسجحات التى تسببت فيها أختى الكبيرة ، سخرية خالتى التى ربتنى من لونى الأسمر وإختلافى عن أخواتى الشقراوات.
هربت منهم منذ أن وقعت عينى عليه وأنجبت منه ثلاثة أطفال بيض الملامح مثله...لبنانبون مثله...وهاجرت بلدى الى بلده...ولسانى تحدث بلسانه ، لذا...أحارب الآن معه.

" ماما، أنا بِردان...دخيلك إعمُلى شى"
لو فقط يهدأ القصف قليلاً فتعود الكهرباء ويعود الدفْ الى بيتنا...أبغض جارتى أم وائل وأبغض تهكمها على وهى تقول: " المصرية بيطلع معها شى؟؟"
" إيه يا إم وائل...بيطلع معى إحمى ولادى...المصرية ما بتغلب!"
سأحميهم نعم...أعرف أن القصف شديد الآن ولا أستطيع الركض بأولادى الى المخبأ...البيت ليس آمناً أيضاً فالشظايا تحطم النوافذ والجدران ، لذا أختبأ وأولادى بالحمام...بارد هو جداً فأطراف الأولاد تكاد أن تتجمد... ولكنه آمن...فهو بعيد عن النوافذ والشظايا ولن يطالنا صاروخ هنا...إلا إذا كان صاروخ كبير يدمر البناية...ساعتها...ساعتها تكون ساعتنا قد حلت.
" إمى ، بطنى بتحرُق"
" محمد، بدك يروح هالإسهال وبطنك تشفى؟ بكفى بِكِى حبيبى"

"إيه يا إمى...خييى بدو بطِل بِكِى وإسهال كمان...والله اتعمينا وإختنقنا"
"بنتحمل عمر...مافى مَىِ وما فى آمان بالصالون وخيك مريض يا زلمِه"
"إمى...بتحمل"

" إمى...جوعانه"
"إيه رولا...بروح جيبلِك عروس...جبن ولا لبنِه؟
" جبن"
"محمد، عمر...بدكن عروس"
"إيه إمى" "إيه إمى"

ما كنت أتخيل يوماً أن أحبو على يداى وبطنى لأصنع لأطفالى شطائر الجبن...أخاف من القصف رغم إعتيادى عليه...إعتدت عليه كما إعتدت غياب زوجى بالأيام وخوفى عليه من رصاصات العدو...إعتدت الحرب والموت والدماء...يا ليتنى لم أرحل عن بيت أهل زوجى...كانوا يرعون الأولاد بينما أساعد بعض الوقت بالصليب الأحمر...لن أنسى يوم ضمدت جراح وائل جارنا...الطفل كان يقترب من الثالثة عشر وقد ظن نفسه رجلاً عتياً وأمسك ببندقية...كاد يلفظ أنفاسه الأخيرة هذا الأحمق...لن أنسى همسه :" بدى أوِص هالصهيونى يللى حرق بيت جدى"

الخبز تيبس تماماً...سأسخنه قليلاً...الموقد يدفىء يدى...آه...الأولاد....
"يا عمر، يا ولاد...تعا.. تعو لهون"
سأبقى الموقد مشتعلاً بعض الوقت...سنجلس بالمطبخ حيث الدفىء...بجوار الموقد سأحمى أولادى... بعيداً عن النوافذ وشظايا الصواريخ...وإذا حطم جدارنا صاروخ كبير...ساعتها...ستكون ساعتنا قد حلت...أما الآن فأطفالى بخير يأكلون الجبن وينعمون بالدفء...بجوار الموقد.