السبت، يناير 24، 2009

فى الصحراء

لثام أسود وسواعد قوية وحصان عربى أشهب خطف أنظارنا جميعاً...
فإبنة عمى أصرت على قيامنا بهذه المغامرة...وعلى الرغم من أنها ليست من المفضلات لدى لدلالها الشديد وأنانيتها المفرطة ألا أننى قبلت مرافقتها...فأى شىء أفضل من تمضية يوم بحديقتنا مع زوجة أبى...
ها هى ذى ترتدى أفضل المجوهرات برحلة صحراوية إمتطينا فيها الخيل لساعات طويلة...إن أباها لن يبخل على أميرته بحرائر الهند ولا ماس العالم...وكذلك أبى معى....لا أعلم إننى فقط لا أحبها كثيراً...
على أى حال لا يهم فأنا ذا أمتع نظرى بفارس مغوار شد إنتباهنا جميعاً بتمكنه من حصانه على رغم السرعة الشديدة التى نزل بها من التلة البعيدة...وكأنه جزء من هذه الصحراء...
لم أسمع صيحات إعجاب إبنة عمى المزعجة...فقد بََطُء الوقت وأنا أنتظر إقترابه من ركبنا...أردت رؤية وجهه الذى تلثم بالأسود...
لمحت بطرف عينى إبنه عمى تحاول إصلاح هندامها الذى تأثر بجو الصحراء وهدهدة الخيول..ظنت هى أن أناقتها تكفى لشد الفارس إليها إلا أننى لم آبه لما رغبته ...فقد كنت أنتظره...وها قد أتى...
ترجل بخفة وشد لجام حصانه متجهاً نحونا...حل عن لثامه فظهر وجه عربى تناغم مع الصحراء والخيول القوية...ملامحه تنم عن صلابة وثقة...عيناه فى سواد الليل الحالك وسيقانه الطويلة زادته جاذبية...
إقترب قليلاً وركز بصره علىّ...على عيناى تحديداً...أعرف أن لكحلهما سحر خاص يماثل سحر سوادهما البراق...إبتسمت فى خجل من طول نظراته وسرحت فيه...بل وتخيلت شعورى وأنا بين تلك السواعد القوية أنظر لفوق قليلاً حتى أنهل من سحر عينيه...وأفقت على صوته يصيح:
" إنت يا بن الجزمة...مش قلتلك ميت مرة تحطللى السرج السعودى...أما إنت صحيح حمار...عايز تكسحنى يا روح أمك...أفرج عليك نزلة السمان كلها دلوقتى...غور هاتلى كوز مية"

الأحد، يناير 11، 2009

بجوار الموقد

أتذكر الآن أيام صباى بالأسكندرية...لم أكن أفضل حالاً بل كنت أسوأ...شعرى الأشعث الذى لم ينجو أبداً من هواء البحر ورطوبته، معاملة أهلى السيئة والسجحات التى تسببت فيها أختى الكبيرة ، سخرية خالتى التى ربتنى من لونى الأسمر وإختلافى عن أخواتى الشقراوات.
هربت منهم منذ أن وقعت عينى عليه وأنجبت منه ثلاثة أطفال بيض الملامح مثله...لبنانبون مثله...وهاجرت بلدى الى بلده...ولسانى تحدث بلسانه ، لذا...أحارب الآن معه.

" ماما، أنا بِردان...دخيلك إعمُلى شى"
لو فقط يهدأ القصف قليلاً فتعود الكهرباء ويعود الدفْ الى بيتنا...أبغض جارتى أم وائل وأبغض تهكمها على وهى تقول: " المصرية بيطلع معها شى؟؟"
" إيه يا إم وائل...بيطلع معى إحمى ولادى...المصرية ما بتغلب!"
سأحميهم نعم...أعرف أن القصف شديد الآن ولا أستطيع الركض بأولادى الى المخبأ...البيت ليس آمناً أيضاً فالشظايا تحطم النوافذ والجدران ، لذا أختبأ وأولادى بالحمام...بارد هو جداً فأطراف الأولاد تكاد أن تتجمد... ولكنه آمن...فهو بعيد عن النوافذ والشظايا ولن يطالنا صاروخ هنا...إلا إذا كان صاروخ كبير يدمر البناية...ساعتها...ساعتها تكون ساعتنا قد حلت.
" إمى ، بطنى بتحرُق"
" محمد، بدك يروح هالإسهال وبطنك تشفى؟ بكفى بِكِى حبيبى"

"إيه يا إمى...خييى بدو بطِل بِكِى وإسهال كمان...والله اتعمينا وإختنقنا"
"بنتحمل عمر...مافى مَىِ وما فى آمان بالصالون وخيك مريض يا زلمِه"
"إمى...بتحمل"

" إمى...جوعانه"
"إيه رولا...بروح جيبلِك عروس...جبن ولا لبنِه؟
" جبن"
"محمد، عمر...بدكن عروس"
"إيه إمى" "إيه إمى"

ما كنت أتخيل يوماً أن أحبو على يداى وبطنى لأصنع لأطفالى شطائر الجبن...أخاف من القصف رغم إعتيادى عليه...إعتدت عليه كما إعتدت غياب زوجى بالأيام وخوفى عليه من رصاصات العدو...إعتدت الحرب والموت والدماء...يا ليتنى لم أرحل عن بيت أهل زوجى...كانوا يرعون الأولاد بينما أساعد بعض الوقت بالصليب الأحمر...لن أنسى يوم ضمدت جراح وائل جارنا...الطفل كان يقترب من الثالثة عشر وقد ظن نفسه رجلاً عتياً وأمسك ببندقية...كاد يلفظ أنفاسه الأخيرة هذا الأحمق...لن أنسى همسه :" بدى أوِص هالصهيونى يللى حرق بيت جدى"

الخبز تيبس تماماً...سأسخنه قليلاً...الموقد يدفىء يدى...آه...الأولاد....
"يا عمر، يا ولاد...تعا.. تعو لهون"
سأبقى الموقد مشتعلاً بعض الوقت...سنجلس بالمطبخ حيث الدفىء...بجوار الموقد سأحمى أولادى... بعيداً عن النوافذ وشظايا الصواريخ...وإذا حطم جدارنا صاروخ كبير...ساعتها...ستكون ساعتنا قد حلت...أما الآن فأطفالى بخير يأكلون الجبن وينعمون بالدفء...بجوار الموقد.