السبت، أبريل 18، 2009

الآن...كثيراً

"ليه يعنى ميجيبوش انتريه عادى...قماش عادى...لازم الجلد اللى بيسخن ال....الواحد!"

كرهت الإنتظار...تتعالى ضربات قلبها ويتعالى حنقها من طول الإنتظار...عندما تريد شيئاً...فهى تريد الآن...كثيراً واللآن..وهى تعرف ماذا تريد ومن ... كثيراً والآن...بيد أن الأخير لا يعرف له موعد ولا عنوان .

إنتظار طبيب لأكثر من ساعة أفقدها صوابها.

تذكرت أيام طفولتها وهواية أمها العجيبة فى إصطحابها لمشاوير بها الكثير من الإنتظار...وتذكرت أيام طفولتها وهواية أبيها فى إطالة السفر والبعد وطول إنتظارها له.
وتذكرت ليال لم تحتمل ساعاتها ولم تستطع إجبارها على الإسراع مهما بكت ومهما عضت أناملها من قسوة إنتظار الصباح حتى تأتى أمها - فى هوادة - لأخذها بعد عطلة نهاية أسبوع ملؤها الإنتظار ببيت أبيها...


إلتقطت هاتفها الجوال من حقيبتها بعد سماع أول مقطع من أغنية الجاسمى" قول رجعت ليه يا حبيبى..." تعرف من صاحب هذه النغمة...اطالت عنقها زهواً ببقاء تأثيرها المحبب عليه...وإنتظرت سماع جملة أخرى من مقطع الأغنيه قبل أن ترد ... أنه هو المتصل فهو دائم الرجوع...من كان حبيبها وظل ...يغيب وتنتظره طويلاً حتى تنسى او تتناسى انه عائد فتنفرج اسارير قلبها المشتاق وتنشغل فى الدنيا وما فيها...يعود ليرن بكلمات عودة الحبيب: "ضعت بعدى؟؟ كرهت بعدى؟؟ وجيت ندمان خلاص..."



" ألو"
" ألووو" بصوت مرح كان لم يمضى على غيابه ساعة
" أهلاً وسهلاً...حمد الله على السلامة"
" هى هى هى...الله يسلمك...عاملة ايه"
" فل! كله تمام"
" جميل جميل...حاشوفك امتى؟"
" نعم!!!"
" ايه...بسألك حاشوفك امتى"
" انت عايز تجننى؟؟؟ تشوفنى ليه...هو انت تغيب بالشهور وبعدين تظهر فجأة مرح وبتضحك وهوب خلاص حاتنطط من السعادة بقى واجرى عليك؟؟؟ انت غلطان...انا مش فاضية...بعدين لما افضى بقى ان شاء الله"
" ايه كل ده...انتى زعلانة منى ولا ايه"
" لأ فرحانة"
" ههههه زى الولاد الصغيرين...كنت فى بيزنس تريب يا حلوة...قولى لى ...وحشتك؟؟؟"
" أوى..."
" نتعشى مع بعض النهارده"
" طيب"
" ونفطر..."

انهت المكالمة دون رد...تعالت ضربات قلبها غضباً من تعاليه...عجرفته أفقدتها صوابها...يعلم تماماً انها ان رأت خيال خياله يلوح لها فستجرى هرباً الى قلبه من قسوته ...كادت ان تبكى...غيظاً وحباً وشوقاً وامتهان!!!
نظرت يمينها الى السكرتيرة المنهمكة فى ترتيب ملفات الطبيب وصاحت بها :


" مش كده يعنى...اتأخر اوى الدكتور...فى حاجة اسمها مواعيد وانا واخدة ميعاد...لو سمحتى كلميه اذا ماجاش انا حامشى"
" اهدى يا فندم شوية...حاكلمه حاضر"
رأت الفتاة وقد أخفضت صوتها لتقول للطبيب - ربما - أن هناك سيدة تصيح بها وتكره الإنتظار...
لا...لا يعرف أحد كم تمقت الإنتظار..تمقت أن تسلب حريتها من أن تأخذ ما تريد الآن وتواً!!
همت واقفة عندما لمحت الطبيب وقد دخل مسرعاً من باب العيادة الى مكتبه ...شدت عليها البلوزة الحمراء الحريرية ودخلت له وقد إصطنعت إبتسامة على وجهها:
" إزيك يا دكتور...إتأخرت عليا أوى...بس معلش!!"
" أهلاً يا مدام...سورى معلش انتى عارفة الطريق...إتفضلى...قولى لى بقى...أنا شايفك أمورة...جاية لى ليه؟؟"
" ههههههه...ميرسى يا دكتور...بص... انا رياليستيك جداً فى رغباتى ، بس بليز قوللى رأيك...أنا عايزة أشد وشى ورقبتى...بص...بص وشى تراخى ازاى...وعايزة حواجبى ترتفع شوية عشان تبرز عينيا"
" إنتى عندك كام سنة يا مدام...وآسف على السؤال"
" لا لا اتس فاين...انا عندى 38...مش باين عليا صح ههههه"
" فعلاً...حضرتك لسه بدرى على موضوع شد وشك ده...بس اهم حاجة عندنا هنا الراحة النفسية...اوكى تحت امرك "
" انت هايل يا دكتور ههههه...ده بالنسبة لوشى...أما جسمى فانا من فترة كده كنت خسيت سبعة كيلو...حاسة نفسى محتاجة شد شوية من عند البطن...وياريت الصدر كمان لان من ساعة الولد الزغنن ميدو وانا مش عاجبنى صدرى...عايز يصغر نمرة واحدة بس مش كتير... وكنت بفكر لو حتشفط من عند البطن...هل ممكن يتحقنوا تانى بس عند الهانش؟؟؟ عشان يعنى الكيرف بتاعهم يتظبط اكتر؟؟؟"
" مدام...ممكن آخد مقاساتك؟؟ اتفضلى ورا البارافان"
إمتدت يده بقلم سميك يرسم خطوطاً طولية وعرضية ودائرية على وجهها وجسدها...خطوطاً تحاول تتبع آمال وهمية بالعودة الى سنين النضرة...خطوطاً تمحى حالة الإنتظار القادمة لشيخوخة لابد منها...كانت خطوطه زرقاء سميكة...إمتدت لتحول قامتها الى طرق ووديان...تكسر الخط بأكثر من موقع ففقد إستقامته لما قابله من ثنايا جلد إحتوى هذه الروح وما بقالبها...
نظرت بالمرآة لترى نفسها وقد تغطت بخريطة ستدل مشرط الطبيب يوماً ما على ما يجب قطعه ولصقه...حتى ترضى بحالها...شردت بخيالها ورأته وقد عاد اليها بليلة زادها القمر سحراً وقد بهره جمالها وروعة تقاسيمها...
كم مضى وهى على ذات الحال؟؟ تبتاع الثياب بذوقه ولعينيه...تهتم بشعرها لأنامله وإثارة إعجابه بعطره...
كم سيمضى بها وهى تعيد تصميم جسدها من أجل يديه؟؟
" بس كده...كده ممكن نعدل كل اللى انتى عايزاه...تحبى تعملى العمليات دى امتى؟؟؟"
" ينفع كلها فى يوم واحد؟؟ وحافضل اد ايه لغاية ما ينفع اقابل الناس وماتبنش جروح؟؟"
" لا ما ينفعش...حنعملهم على ثلاث مراحل...والوقت...انا بيتهيألى بما ان بشرتك فاتحة ممكن ست شهور ماكسيمم وتبقى سوبر ستار هههه"
" إيه؟؟؟!!! ست شهور يا دكتور كتير اوى!!"
" يا فندم مش جلد وانسجه بتحتاج وقت تلتئم!!"
مشت لسيارتها وهى تحاول حساب الأيام وكم طال إنتظارها له بآخر رحلة غياب...ربما غاب حتى تلتئم الجروح...ولتنتظر هذه المرة أيضاً...ستكره الإنتظار...لكنه إنتظار لهدف رائع...سيحبها أكثر وسيتعلق بجمالها ولن يحتمل قلبه بعدها فلن يغيب بعد الآن...
ستلتئم روحها بعد التئام جروحها...رأته وقد إحتضنها عمراً بأكمله...رأتها سعيدة غافية بإطمئنان بين ذراعيه...رأت الدنيا سهلة حلوة...رأت عيون مبهورة بجمالها الذى اختصت به رجل واحد فقط...رأتهما يمشيان على بحر تلألأت به نجوم وشموس...رأته...محباً...بحق.
طمأنت نفسها وإبتسمت لحلم سعادتها الذى يبعد ستة أشهر.....وستنتظر...