الثلاثاء، نوفمبر 24، 2009

صاحب مِلك

تدثرت بغطاء صوف خشن ثقيل...فى ليلة صيفية شديدة الحرارة زادتها رطوبة الجو ثقلا حتى باتت تشد الهواء شدا من تحت الغطاء الذى غطت به كامل جسدها ووجهها خوفاً من هجوم الصراصير عملاقة الحجم التى شاركتها وعائلتها بيتهم الجديد.
كان دوراً أرضياً مبنياً بالطوب والمُسلح وارضه اسمنتية وعرة لم تغطيها بلاطات تمهد طريقاً للحفاة أو أرضاً للنائمين .
لعنت ابيها فى سرها ووسط دموعها الف مرة كل ليلة بمجرد ان تبدأ معاناة التنفس تحت الغطاء الثقيل...وتاقت كثيراً لبيتهم القديم ذو الشرفة الواسعة والاثاث المريح وسط جيران عرفتهم واحبوها منذ نعومة اظفارها...تذكرت حياة عاشتها كانسانة...طفلة سعيدة بالقليل المتاح والحارة الطيبة وغرف بيتها الصغيرة التى تالقت بها ضفائرها اللامعة ولمبة مكتبها الذى شهد نجاحات مذاكرتها.
لعنت ابيها...سائق القطار...وطموحه...فقد باع بيتهم الصغير واشترى قطعة ارض بمنطقة مزارع وحرمهم الزاد والاثاث وسبل المعيشة الاساسية حتى يبنى اساس البيت ودوره الاول...كان البيت الوحيد على مد البصر بين المزارع...بلا كهرباء...ولا مياه ممتدة...ولا جيران.
"حرام عليك يا بو زينب...دى عيشة ولا الكلاب يرضوا بيها...ودينا حتة عمار...بناتى حيموتوا منى من القذارة والصراصير وفئران الغيط"
"بس يا ولية...انا بعمل ده لمين...مش عشانكوا؟!! عايزكوا تبقوا اصحاب مِلك...كام سنة والمنطقة حتدخل كردون مبانى ونبقى اصحاب ملك...البيت حخليه اربع ادوار والبنات شاطرين...حيبقوا دكاترة ومهندسي ..حيجيلهم عرسان متعلمين...عرفة يا ولية لو واحدة خابت فى المدرسة...والله لاقتلها...انتى متنحة ليه؟!! بقولك حنبقى اصحاب ملك"
وتنظر اليه الام مختنقة بالدموع وتنظر الى النافذة الصغيرة العالية والتى هى المصدر الوحيد للهواء وتقول: " ان شاء الله...ان عشنا!"
كانت زينب فتاة رقيقة الجسد عنيدة المِراس شديدة الذكاء...كانت الاولى بمدرستها دائماً وكانت جامحة الخيال...فتتخيل نفسها جميلة جدا كزميلتها حياة فتتعلم الحياكة وتصفيف الشعر وتبقى اياما تغزل فى صورة جديدة ترضيها...تتخيل لعبة جميلة لم تستطع ان تشتريها فتجوب الحقل المجاور بحثاً عن قطعة خشب او مسمار معوج وتبقى الايام تحاول وتحاول حتى تصنع ما تريد...وبقى خيالها مصدر بقاءها وعزيمتها مصدر قوة حياتها فتغلبت على الامراض المتلاحقة التى اودت بكثير من صحتها بسبب الحياة غير الصحية التى تحياها وتغلبت على كرهها لوالدها...ولكنها لعنته كل ليلة...وكل يوم عايرها اصحابها بحالها المزرى...فقد فقدت ضفائرها لمعانهما وانطفأت عيناها من بصيص ضوء لمبة الكاز...لم يتبقى لهم من المال ما يكفى للحفاظ على اقل المظاهر لياقة...فكانت مريلتها المتجعدة تزداد قدماً واهتراءا وابيها يزاد ادخارا ليبنى الدور الثانى...
وزينب...تنتظر الصباح كل ليلة فقد مقتت الظلام بلا كهرباء...تنتظر الصباح حتى يجيىْ...وحين تفتح باب منزلهم لترى المزارع الخضراء...تجرى...طويلاً...بسرعة...حتى تفقد ساقاها القدرة على الجرى...فتتعب...وتبدا فى تخيل حالها ببيتها القديم ذو الاثاث والشرفة...وتتخيل لمبة مكتبها الجميلة....وتتخيل...
ومرت السنين...وعَمُرت المنطقة...وارتفع البيت...ودخله الاثاث...وبدأت إمتحانات الثانوية العامة...واقتربت زينب من بوابة الحياة التى تمنتها...ورأت نظرات الأمل كل يوم فى عينى ابيها...ملاصقة لنظرات الزهو برؤياه الثاقبة وبعد نظره...فقد نجح...واصبحوا اصحاب مِلك!
اخذت زينب مقعداً خشبياً لونته يوماً بيديها واتخذت من سطح بيتهم مستقراً...نظرت الى اول شارعهم منتظرة مجىء ابيها بخبر نجاحها...سيهرول سعيدا بمجموعها الكبير وستزغلل كلية الطب عيناه...هكذا اعتقد...ابتسمت...بل ضحكت عالياً...ضحكت كثيراً حتى بكت...بكت كثيراً...فسنتجح...نعم مؤكد ستنجح فكبريائها يمنعها من الرسوب...لكنها...
وتعالى نداءه....
"زينب...يااااااا زيييييييييييييييينب"
نزلت اليه ببطء ونظر ثابت...وتلقت الصفعة بنفس الثبات...
"انتى؟؟ 50%؟؟ استحالة....راحت الطب...حتدخلى معهد...ضيعتيلى حلم عمرى"
"ليه...مش بقيت صاحب مِلك؟!!"

الاثنين، نوفمبر 09، 2009

طلاء أظافر للوداع

نظرت الى اصابع قدميها وازدرت اهمالها لهم...فقد تشقق طلاء الاظافر الاحمر القانى كما تشقق قلبها من عذاب رؤيته ينتحر كل يوم.
فكرت للحظات فى سبب الاهمال...فلديها الوقت...ولديها الطلاء...ولديها الحب الذى احبت دائماً التزين من اجله.
لم تجد الا خوف استقر بقاع نفسها وتخفى فى ثوب امل...خوف من شقاءه...ويأس من شفائها.
رن هاتفها حاملا صوته الذى يعيد الابتسامة الى شفاها...فاعادها...ولم تنظر ثانية الى اللون الاحمر القانى المتشقق...بل نظرت الى الطلاء...اعادت البسمة الى وجهها...جسدها واظافرها...اعتنت بكل ما فيها...تهيأت كعروس لمقابلة حضنه الدافىْ.
انتظرته جميلة منتعشة محبة...
لم يأتى...
لم يأتى حتى رفضت ان ياتى وعلت ابتسامة اليأس المتشفية...عايرها الياس وذكرها انها ضريرة منذ زمن ولكنها رفضت ان تصدق بالرغم من الظلام الحالك والتخبط...
انتصف الليل وهى تحاول الخنوع للهزيمة...
اعلن الفجر يوماً جديداً وآلاماً مديدة...
واستحال الاحمر القانى الى طلاء اظافر... للوداع...