الأحد، نوفمبر 14، 2010

تَدَلى

أهوى المراقبة من بعيد...أهوى النظر ومحاولة فهم القصة وما وراء المظهر الجاف الخاص بشخص غريب...أهوى النظر بعين لا تتشتت بما يصطنعه الآخرون...ففى النهاية ، لم أكن أملك إلا النظر وإجترار الوَنَس من حكايا أفكارى.

ورأيته من شرفتى المطلة على جراج المصنع...كان يقف وقد خارت ركبتاه عن حمله بإستقامة فبدا أكبر عُمراً مما كان...

أعرفه منذ جاء شاباً طموحاً ليعمل بقسم المبيعات بالمصنع...كما أعرف كل من يعمل بالمصنع وتسمح ظروف عمله بأن يمر بالجراج الخاص بالسيارات التى يصنعونها...

لم يكن عجوزاً أبداً...ولكن وقفته التى طالت لأكثر من الساعة وهو يشاهد تحميل صناديق قطع الغيار ويشاهد العمال وهم ينظفون السيارات حتى يتم عرضها بواجهة المصنع أصابتنى بحيرة...

فقد وقف وقد خلت نظرته من أى معنى...كأنه سابحاً فى دُنيا أخرى...وقد تقوس ظهره ليظهر تدلى بطنه الى الأسفل...

كان هندامه نظيفاً ومُعتنى به...قميصه المقلم نظيفاً ومكوياً...بنطاله أنيقاً...حذاءه لامع...

لكنه كان شارداً...وليس حليقاً كعادته...

فكرت : يا ترى ما به؟؟ هل مَل العمل؟؟ هل يفكر فى مشاكل مع الزوجة؟؟ هل لديه هموم؟؟ هل يشعر بأن طموحه يهوى الى هوة لم يراها؟؟ هل ينافسه الآخرون؟؟ هل سيتم طرده من العمل؟؟

كان من الرجال اللذين ان تراهم تشعر بأنهم سيكونون ذوى شأن عظيم...كان له سحر خاص...ثقته بنفسه ومشيته الرصينة وحركات جسده غير المبالغ فيها وأناقته...

لولا تدلى بطنه لأصبح كاملاً...لولا ضعف كبتاه عن حمل جسده الطويل بإستقامه لكان كاملاً...

ربما كان مخدراً بسيجارة ملفوفة...أو كان مغيباً بفعل أقراص ملعونة...وقفز قلبى خوفاً عليه...ففكرت بأن هلاوسى مستحيلة...انه رجل عامل ، يكد ويتعب يومياً من الثامنة صباحاً وحتى قرب منتصف الليل...وفكرت : متى يعيش؟؟ متى يخرج ومتى يضاجع ومتى يلهو مع أولاده؟؟ متى يضحك ويرى فيلماً كوميدياً فتظهر أسنانه التى لم أرها من قبل؟؟
متى يحيا...أيفعل كل هذا فى يوم الإثنين؟؟ يوم الإجازة الوحيد لديه؟؟

أشفقت عليه...

مسكين هو...مسكين ان يكون به ما يجعله شارداً يشاهد العمال ينظفون والحمّالون ينظمون الصناديق وهو لم يتحرك قيد أنملة وقد شارفت الساعة الثانية على الإنتهاء...

ربما كان يود لو كان جالساً مكان صاحب المصنع...جالساً بكرسيه الوثير بمكتبه المكيف بجانب الخزينة التى تكاد تضجر بما ارتص بها من أموال...ربما تمنى أن يملك مصنعاً مشابه...لا...مصنعاً صغيراً...فهو من المؤكد قد تمكن من ادخار بعض المال...

هل يكفى ما تم إدخاره ليتمكن من امتلاك مصنع؟؟ ربما لو كان صغيراً جداً...ربما تمنى ان يكون وكيلاً لمصنع...ربما إتفق مع أحد أصدقاءه على فتح مكتب وكالة للسيارات...ربما فتحه بالفعل...ربما حقق نجاحاً...ربما خدعه صديقه وإضطر الى ترك الشراكة والعودة للعمل بالمصنع...

ربما خاب أمله...ربما لهذا تدلى...

تمنيت لو أحدثه أثناء تناول كوبين من الشاى بذات الشرفة التى أراه منها يومياً على بُعد طابقين...

أستغرب كثيراً انه احياناً ينظر الى أعلى وتلتقى أعيننا إلا إننى لا أشعر بأنه رآنى...هل من المعقول أنه لم ينتبه يوماً الى من ينظر اليه من أعلى طيلة السبع سنين  الماضية!!

هل علق أحد الزملاء يوماً على وجودى الدائم بالشرفه ونظرى إليهم؟؟
لم يلمحنى أى من العاملين طيلة السنين الماضية!!
وأنا على بُعد طابقين!!

ربما لهذا تدلت بطن الفتى الوسيم...لأنه لا ينتبه لما حوله...ربما لو أفاق ونظر وتفاعل مع محيطة لكان متماسكاً ذو ساق قوية تحمله فى أناقة وشموخ...

ربما تدلى مخه أيضاً فأصبح آلياً روتينياً يتحرك فى الإتجاه المطلوب منه دون تذوق للحياة...

فقط لو نظر الى أعلى...فقط لو رآنى حين ينظر الى أعلى...

فقط...





الثلاثاء، أغسطس 31، 2010

حارٌ هندى

إنه رجل لم يعرف من الدنيا الا بعض المسامير والأسلاك ، حيث عمل فنى مبردات منذ ترك الثانوية الحرفية قبل حصوله على الشهادة بشهر واحد.
إنه رجل لم تعرف يداه ابداً نعومه ولا قدماه معناً للراحة...لم يعرف إلا أسرته الصغيرة المكونة من أم وأختان وأخ.. ومُعداته...بل أكاد أجزم أنه لم يعرف معنىً حقيقياً للسعادة إلا يوم دفع مدخرات عامين كاملين ليبشر والدته برحلة العُمرة التى طالما حلمت بها ويوم إشترى حقيبة المعدات الكاملة المستورده...والأخير كان يوماً لا ينسى...الأخير كان يوما شعر فيه وهو يمشى بزهو حاملاً الحقيبة أنه أهم "باشمهندس" فى مصر...ولقد أراد دائماً أن يكن هاماً...ذو شأن...شخصاً تتناوله أحاديث الناس ويتخذه اللآخرون مثالاً وقدوة...لكنه لم يستطع.
إنه رجلاً يظل يعمل ويعمل حتى يستوقفه الناس معلنين عن إحتياجهم للراحة...وهو يعمل ويعمل حتى لا يجد ما لا يعمله.
إنه رجل لم يعرف أبداً أحلام اليقظة...بل نادراً ما تأتيه أحلاماً بنومه...وهى دائماً ما تتعلق بأبيه رحمة الله عليه يبتسم له أو يأخذ بيده...وقليلاً ما تكون الأحلام ناعمة...حنونة...لونها زهرى...رائحتها وردية...همسها عذب...قليلاً ما تكون أحلامه عن إمرأة كالحلم...تداعب شعره ويريح رأسه على فخذها...إمرأة يرى بعينيها إبتسامة دائمة وقبلة شهية ودفء محبب يلوذ فيه بالفرار.
هذا الرجل شده زميله شداً حتى يترك العمل بخطوط تكييف الهواء المركزى الخاص بالمستشفى الجديد ، ليشاركه الطعام...فقد قرصه الجوع حيث تعدت الساعة السادسة مساءً وهو بدون طعام.

- طب انت عايزنى ليه اصلاً؟ ما تبعت الواد محمود يجيبلنا لقمة من اى حد قريب وخلينا نكمل شغل.
- يا عم بشبشها كده الله يكرمك...عايزين ناكل لقمة جامدة بمناسبة الشغلانة الحلوة دى...قوم بينا نروح مطعم بقى متبقاش خنيق
- مطعم ايه يعنى؟ انا معرفش مطاعم هنا...يا عم دى حتة عِلِيوى
- تعالى بس... انا شفت مطعم جامد وانا طالع وقريب يعنى مش حنروح بعيد...حناكل ونرجع نكمل شغل
- مطعم جامد ده حيبقى بكام يعنى
- يا سيدى ما احنا لسه عاكمين مبلغ كنا بنشتغل به سنة قبل كده...بر نفسك يا صاحبى...اقولك؟ عليا الغدوة دى
- يا عم لا عليك ولا عليا...يلا بينا

كان صديقه كالاطفال...يكاد يقفز مع كل خطوة من السعادة...وكان هو بلا تعبير...لا سعيد ولا يظهر عليه الضيق وهو يحاول اللحاق بخطا صاحبه وهو يعبر الشارع...
توجها الى بناية مقابلة للمستشفى على الجانب الآخر من الطريق...وهَما بالدخول عبر بوابة خشبية يبدو عليها القِدم ..كانت سميكة جداً وثقيلة جداً ..تُحليها مقابض وأشكال نحاسية كثيرة...كادا أن يعبراها لداخل المطعم إلا أنه توقف لحظة...ناظراً لأعلى...ثم لصديقه...وكانه يستجديه بآخر لحظة أن يتركه يرحل...لكنه إمتثل لجذبة صديقه له للدخول.

كان المكان كبيراً...مقسم الى أربعة زواياً...بكل زاوية مجموعة مناضد وكراسى محلاة بأقمشة مطرزة بلون خاص بها...تفصل كل زاوية ستائر سميكة مخملية مطرزة...
إنبعثت رائحة بخور غريب...غير التى تحرقه أمه كل يوم جمعة...رائحته إستفزته...ودخانه الكثيف غلف الأجواء بسحابة رمادية فبات المكان كأنه فيلم سينمائى من الأفلام التى يراها بالأعياد حين يضطره العُرف الى عدم العمل.
مشى هو وصديقه مشدوهان ومأخوذان بالمكان...لم يختارا زاوية للجلوس بل جلسا فى أقرب منضدة...وكانت منضدة دائرية عليها مفرشاً أرجوانياً يحاكى لون الستائر وفرش الكراسى...
نظرا حولهما باحثين عن أحد يطلبا منه الطعام...أشار صديقه الى رجل يرتدى عباءة قصيرة وسروال وعلى رأسه عمامة صفراء...وأتى الرجل وحياهما بإنحناءة بسيطة وسلمهما قائمتان للطعام ثم رحل بعيداً فى خطىً بطيئة وكأنه يخاف أن يكسر نغم المكان ونظم حركات الأبخرة العطرية...
كان كلامهما مقتضباً وهامساً...وضحك صديقه...

- هو احنا بنتوشوش ليه هى هى هى هى
- مش عارف...بس المكان ده غريب اوى...انا مقلق منه
- ايه يا عمنا ده مطعم...يعنى مم وهم وبس
- بس فخم اوى..يا ابن المجنونة...ده احنا حنكع مبلغ وقدره...بقولك ايه...ما تيجى نمشى
- وحد الله واختار حاجة تاكلها يلا وحياة رحمة ابوك ما تنكد علينا ع المسا
- ماشى ماشى انت حتقفش...نختار...
- انا حاخد الطبق ده...شكله جامد...لحمة ضانى ورز وحركات...وكمان مكتوب انه حار بالبهارات الهندية
- هندية هاهاها...ماشى...طب آخذ زيك عشان معكش انا واختار حاجة تطلع عكننة
- لا يا ذكاوة...اختار حاجة تانية تنويع...عشان لوطلعت مضروبة متبقاش باظت من كله

وعلا صوتهما...وضحكا...وجائهما الرجل ذو العمامة الصفراء..ودَون طلباتهما ورحل متأنياً كما جاء.
كان المكان شبه فارغ وكانت المناضد فارغة اللهم الا من مجموعة من الشقراوات ومعهم فتىً إفريقى جلسوا بالزاوية الزرقاء...يتناولون طعامهم بهدوء مستمعين لصوت القيثارة الهندية التى تملأ بصداها المكان...
ودمر صوت أغنية "أركب الحنطور واتحنطر" التى جعلها صديقه رنة هاتفه رونق المكان...فسارع الصديق الى الرد وترجل خارج المطعم حتى لا يحطم صوت شجاره مع زوجته جمال المكان.
وبقى وحده...يشاهد ما حوله...ودار بنظره معجباً بالمكان...وفكر بعمله وشعر بالإمتنان أن الله قد رزقه كثيراً فى الآونة الأخيرة...وابتسم حين أيقن أن بجيبه الكثير الذى يمكنه أن يتناول طعامه فى محال لا يرتاده الا عِلية القوم...والمهمين منهم...بل تعجب أنه هناك مطعم هندى بمصر...ونظر حوله ثانية لتستوقفه لوحة كبيرة معلقة على حائط بخلفه...
كانت ذهبية...ظن أنها مرعبة...كانت صورة فتاة بعشرة أذرع...كل ذراع نوع من الأسلحة...ما بين خنجر وسكين وسيف وغيرهما...ترتدى تاجاً كبيراً مرصعاً وكل ما فيها ذهبى...يظهر من تحت ثوبها أسد حول عنقه قيد ذهبى مرصع...ويقضم فخذ فارسٍ قد طعنته الفتاة برمح فى قلبه...وقد هوى الفارس وهوى حصانه من تحته.

- أعوذ بالله...يا ساتر يا رب...ايه المكان العجيب ده...وده أكلهم حلال بقى ولا ايه الهنود دول...

سمعه ذا العمامة الصفراء فقال:

- حلال يا فندم...البضاعة مصرية
- الله يطمنك
- عجبتك اللوحة؟
- أعوذ بالله...عجبتنى ايه...دى سفاحة ولا أخطبوط ولا أم أربعة وأربعين دى؟؟
- دى من آلهة الهند إسمها دورجا
- يعنى قصدك ملكة يعنى؟
- لأ إله
- أستغفر الله العظيم...ايه الكفر ده...

ابتسم الرجل ومشى الهوينا مبتعداً عنه...أما هو...فقد شعر بنعاسٍ مفاجىء...حاول ان يرى صديقه الا أنه لم يكن ظاهراً...اراح رأسه على يده وظل يحسب تكلفة جهاز اخته المرتقب...فقد طالبته أمه بالكثير...وهو يملك الكثير الآن...لكنه سيحاول ادخار بعض المال حتى يتمكن من ان يهدى امه رحلة الحج التى تحلم بها...
وربتت يدٍ على ظهره...إستدار ليجد فتاة وضعت يدها على كتفه...لم يقو على النهوض...نظر اليها متعجباً...صامتاً...مأخوذاً بإبتسامتها الهادئة...ونظرتها الحنونة...جلست على كرسى بجانبه...ووضعت يدها على يده...أخذه كل شىء...يدها ، الابتسامة التى تكاد ان تفقده وعيه...رائحة البخور الذى قوى دخانه...ثوبها الحريرى الشفاف...عيناها شديدتا السواد...كان يرغب ان ينطق...ليقول لها من انت...او يطلب منها الزواج فوراً وبغير تمهل...لكنه لم يفتح فيه...خاف ان تتبخر هى...خاله حلم لم يود الافاقة منه.
أشارت الفتاة لذو العمامة الصفراء فجاء بخطىً سريعة وإبتسامة واسعة...مال عليها لتهمس فى أذنه بشىء...ورحل مسرعاً...وعاد بلمح البصر وورائه فتاً قصير القامة ضحل الصدر يحمل صينية كبيرة...رصا ما عليها أمام الفتاة ورحلا.
لم تفارقها الابتسامة ولم تفارق عيناه بنظرها...وكأنها تحدثه بلغة صامته حروفها نظرات...سحبت يدها ببطء من على يده...تناولت قطعة لحم بأصابعها ولقمته اياها...مضغ مشدوهاً...لسعه الحارُ الهندى...غمرته لذة الطعم ولهيب المذاق...تناولت ارزاً بيديها واطعمته اياه بيد واليد الأخرى استراح طرف كفها تحت ذقنه حيث التقطت ما سقط من حبات الأرز الكهرمانية...ظلت تطعمه أشكال وأصناف من حارٍ أحمر...وحارٍ أصفر...ظلت تطعمه خبزاً كانه السحاب...ظلت تلقمه ابتسامات وبهار ونظرات حتى امتلىء...فامسكت ابريقاً به حليب جوز الهند وسقته...فشعر بأنه فى الجنه...بل كان شبه متأكد أنه قد مات وكافأه ربه على بره بأمه فأرسل له أجمل الحور العين لتطعمه وتسقيه من نهر الجنه...
إبتسمت الفتاة أكثر وكأنها قرأت أفكاره...ثم بللت قطعة كتان فى طبق ماء تطفو على وجهه وريقات ورد...ثم مسحت بها فمه برقه.
إبتسم وهم أن يقول شيئاً إلا أنها لمست شفتيه بإصبعها حتى لا يقول شيئاً...وإلتقطت من جانبها وسادة صغيرة مخملية أراحتها على ساقيها..وأسندت رأسه عليها ثم ربتت على كتفه وكأنه أم تساعد طفلها على النوم.
حاول أن ينفض الذهول والراحة والسعادة اللذى يشعر بهم ...وأن يتكلم ويسأل ويتحرك...إلا أنه لم يستطع...لم يستطع إلا أن يمتثل لهدهدة الأميرة الصغيرة...وبات النوم الى جفنه أقرب من وريده...
ونام...على ايقاع ربتتها الحنونة...ولم تتوقف هى عن التربيت...ولم تغير الايقاع..
فربتت
وربتت
وربتت
وخبط على كتفه الصديق

- يا عم فووق ابوس ايدك عايزين ناكل...

حاول أن يفيق...يتذكر ويتحقق ...نظر حوله باحثاً عن الفتاة...حاول ان يفهم كلام صديقه الذى لم يتوقف عن الكلام بالرغم من التهامه طعاماً كثيراً...لم يستطع فهم شىء...بل ظل يشعر انه تائه...مذهول...مزلزل.
حاسب صديقه على الطعام متأففاً...وقبل آخر خطوة تفصله عن الباب سمع صوتاً عالياً انتفض على أثره...

زئير أسد...

الجمعة، أغسطس 20، 2010

مش حزغرد

كل اللى فكراه ان الطريق كان طويل جداً...متعرج جداً...ما بين الجبل والبحر...فضلت ساكتة معظم الطريق لان مكنش عندى حاجة اقولها...أو يمكن نوم العيال والسرحان الى هو فيه من امبارح خلونى اتجرأ واعلن صمتى طول الطريق...
شىء جميل ان الحياة الدوشة اوى اللى انا عيشاها تبقى هادية...ولو حتى لساعات قليلة.
السكوت وصوت الراديو اللى مش مركزة كفاية انى اميز ايه اغانيه وصوت العربيات اللى بتضربنا كرباج صوت كل ما بتعدى بسرعة جنبنا فيهم رتم شبه واحد...رتم يساعد اكتر على التفكير.
اتمنيت ان البحر اللى انا شايفاه طول الطريق يبقى باينلى لونه ...بس للاسف....كان الليل ضلمه بزيادة...لولا شوية لألأه من القمر على وش الميه مكنتش عرفت ان فيه بحر اصلاً.
كنت ببصله كل شوية...بروفيل وشه يدل على مصيبة بتختمر فى دماغه...وسرحانه يدل على ان المصيبة دى من العيار التقيل.
كنت ببصله كانى بدور عليه...بتاكد ان اللى قاعد جنبى متنح على الطريق هو هو الانسان اللى انا اتجوزته...ببصله كانه واحشنى...وهو فعلاً كان واحشنى...مش وجوده...بس معنى وجوده بتاع زمان...واحساسى بنفسى لانه موجود...كل ده كان واحشنى.
مش عارفه ليه كنت مصممة -بدون وعى اوى- انى اكسر جزء من ضفرى...افتكرت معانى ده فى علم النفس اللى انا درساه كويس...بس تجاهلت الفكرة وسرحت تانى...بصيت لايديا لقيت ضوافرهم محتاجين عناية...انا حتى مش فاكرة اخر مرة بردتهم كانت امتى.
انا فعلاً مهملة فى نفسى...بس مش قصدى ابقى مهملة...انا بس مش حبانى...وهو مش حاببنى...مش شايفنى...او شايفنى ومطنش...مش عارفة...انا متغاظة منه بس مش كفاية عشان ادب خناقة او اشتكى.
أصلاً أصلاً حتى لو شافنى...مش حتبقى بالعين اللى كان شايفنى بيها الاول ولا حشوف فى عينيه النظرة اللى كنت بشوفها الاول...النظرة اللى كانت بتحسسنى انى مش عايزة حاجة تانية من الدنيا...وانى احلا واحدة فى الدنيا...لو بصلى حشوف عينين ازاز من غير نظرات...وواثقة انى مش حاسمع ولا كلمة حب...ولا همسه واحدة فيها اعجاب او رغبة...ومتاكده انه مش حيبقى برق ورعد زى زمان...متاكدة انى مش ححس بسما...ولا بسحاب...ولا حشوف اقمار ونجوم...ولا حفضل متعلقة بيه عشان يفضل قلبى وقلبه يطبطبوا على بعض.
اصلاً لو شافنى برضه مش حيشوفنى...والحقيقة ان عماه عندى ارحم من نظرته الازاز.
انا مكنتش عايزة اسافر السفرية دى...هو رايح شغل وانا بقى اتهد من العيال طول النهار...بس رحلة الرجوع بالليل دى فاتحة لى بحر افكار مكنش عندى وقت قبل كده اعوم فيه...مكنش عندى وقت او مكنتش عايزة افكر؟
مش عارفة...
هو يمكن انا بعرف اتكلم اكتر من ما بعرف افكر...بقول...مرة..اتنين...تلاتة بالكتير...وبعدين خلاص...بيخلص وقت الكلام...وييجى وقت الصبر...فبصبر...واصبر..واصبر...لعل الدنيا تختلف ...يمكن الحياة تظهر الحاجات...وبعدين بنفجر!
وبعدين بتهاجم فبدافع...واتهاجم جدا جدا جداً ...فببطل ادافع وبقلب التربيزة قلبة مبعدهاش لا هجوم ولا دفاع ولا كلام.
بس انا مش عارفة اعمل كده معاه....على الاقل لحد دلوقتى.
بصيتله تانى...بصلى بطرف عينه آل يعنى مش حاخد بالى انه بيبص...هو عارف انى ببصله...ومكبر دماغة من انه يسألنى فى ايه...اكيد المصيبة اللى بيدبرها اكبر من انه يدوش نفسه بيا...فى النهاية انا شىء مسلم بيه...حاروح فين...حاعمل ايه يعنى...انا والولاد زى كرفتاته اللى كل يومين يشترى منها...كمالة...وجاهه...اكسسوار...زينة...مش عارفة.
مفكرتش كتير ايه هى المصيبة...او مين...مش فارقة...مش كفاية انى عارفة ان فيه مصيبة؟؟
هو كأب كويس اعتقد...بيأكل الولاد بايديه فى بقهم...وبيلعب معاهم...ومش معنى انه ضربهم جامد مرتين تلاتة انه اب وحش...لأ...هو بس اكيد اتضرب وهو صغير...ايوة...تفاسير علم النفس تانى...
لو اطلقت منه حشرد العيال...ما هو مش سامحلى اشتغل..وبابا الله يرحمه بقى...واعمامى الاتنين فى فرنسا غرقانين فيها...اصرف ع الولاد منين...لأ...مش حاياخدهم...على جثتى...ده تايه اصلاً...بالكتير حيرميهم لأمه المجنونة ذات السبعين ربيعاً...هى فى كامل قوتها العقلية بدليل الجنان المستحكم فيها...بس قعيدة يا عينى...مبتتحركش...والله ربنا ده حكيم بشكل...اصل لو كان فيها صحة مع الجنان ده كان زمانها مولعة فى دار السلام كلها.
هو مش بيئة خالص مع انه من دار السلام اصلاً...مش حانسى اول مرة قابلته فى عيد ميلاد جوز بنت خالتى لما قاللى انه من المعادى....هو صحيح الفرق بينهم محطتين بس برضه...دى حاجة ودى حاجة...ابن اللذينا تنك ويموت فى الفشخرة.
زمان كنا بنسمع نفس المزيكا...وبنحب نفس الافلام...وبنروح نفس الاماكن...واعتقد ان التوافق ده اكتر حاجة شدتنى ليه...احنا نفس الموود...فى كل حاجة!
ايه اللى حصل؟؟
مش عارفة...
أو يمكن عارفة...
انا دايماً كنت بحس فى عينيه انه مش مصدق نفسه انى اتجوزته...يمكن لما حس انه طالنى اتفشخر زى عادته وحلى فى دماغة يطول ستات تانيين وعشان كده اهملنى...
ما انا كنت اول تجاربه...عمره ما عمل علاقة كاملة مع واحدة قبلى....ايوة انا متأكدة..مش عشان قاللى كده...هو اصلاً معترفش الا بعد ما هدم حصون عكا بعد اسبوع من جوازنا...جوز بنت خالتى قاللى كل حاجة عنه...وهو استحالة يكذب...انا بحترم الراجل ده جداً...بالرغم من غناه الفاحش ووسامته وشياكته الا انه مخلص لبنت خالتى ومغرقها فى الحب والسعادة وكمان بيعمل خير كتير اوى وطيب مع الغلابة...أبوه الله يرحمه كان اكبر مُصَدر جلود فى مصر...كان بيعرف ربنا...ربى اولاده كويس وبناهم رجالة على حق.
جوز بنت خالتى جدع وبيخاف عليا....الأسبوع اللى فات كلمنى يطمن عليا...
هو...
كفاية تفكير فيه بقى لاحسده...هاها
بجد...كفاية تفكير فيه عشان مش المفروض...انا مش بفكر فى حاجة غلط...انا عمرى ما غلطت...بس حاسة ان كتر التفكير فى اى واحد غير جوزى حاجة غلط...
أيوه...عشان كده مردتش عليه امبارح لما كلمنى وانا على حمام السباحة مع الولاد... حاجة جوايا قالتلى ان كده كتير...
الحمد لله ان ضميرى لسه بخير...الحمد لله انى عارفه اميز...مش زى فلانة...ولا بلاش..مليش دعوة بالناس..ربنا يهدى والحمد لله الذى عافانى...
انا اللى مجننى انه كان بيتصل وهو عارف ومتاكد ان جوزى مش جنبى...هو خلاص بقى باين اوى كده انه على طول سايبنى؟؟ ولا باين انى مش فارقة معاه؟؟
هو ليه عامل معايا كده؟؟ بجد...ده انا حبيته حب الدنيا كلها...ده كان يتمنى بس انى اكلمه مش اتجوزه..
طيب انا عامله فى نفسى كده ليه...ليه مبقيتش احب نفسى...طب ما بدل العيشة التلاجة دى اسيبه لحياته اللى هو عايزها واعيش انا حياتى وخلاص...
الولاد...
حيكرهونى انى حرمتهم منه...وطبعاً حيلعنوا اللى جابونى طول عمرى...
ده غير انى عارفاه رذل ومش حيسيبنى...هو عايز الاتنين...عايز البيت...بكراسيه وكنبه وتحفه...وعايز حياة العربده بتاعته.
خلص ...البحر خلاص وقربنا نوصل...يا خسارة.
الطريق كان حلو..طبعاً حارجع البيت وابتدى بقى مسلسل كل يوم وزيادة شوية...
هدوم السفر اللى عايزة تتغسل...العشا...تلميع البيت اللى متنضفش بقاله ثلاث ايام...
الطريق وقف...الدنيا كانت زحام كاننا فى ميدان التحرير فى عز الظهر...واو...العربيات واقفة لحـــــــــــد النفق...
أول فكرة جاتلى انى فرحانه انى لسه مش حرَوح...بس يا رب متبقاش حادثة...
لما حرَوح حاخد دش اسرع من السرعة وانام...وحيحط ايده عليا...وحتسائل زى كل يوم...ليه حاطط ايده عليا...ده ايه؟؟
تعود...ونس...عشرة...اطمئنان...ولا ايه؟
معانى كويسة...
بس ده جوزى مش ابنى..
يعنى المفروض تكون مشاعر حب ورغبة متنتهيش عند حطة ايد...
طيب وهو حتى لو بان فيها الحب والرغبة...انا حتبسط؟ لو بانوا آه...بس الحقيقة انهم مش بيبانوا...
ومعتقدش انهم حيرجعوا يبانوا...
ومعتقدش انى حابادله الشعور لو بانوا...
فى حاجة فيا باظت...ملهاش قطع غيار...
واللى باظ فيه هو، باظ بايده...
طيب حتمرد؟
حاسكت؟
مانا اتكلمت كتير عن المشاعر المفقودة وسألت وناقشت...والاجابة كانت دايماً انكار ساذج مكلفش نفسه فيه حتى يبان مقنع او "انا كده من زمان ومش حتغير".
لما قاللى انه كده من زمان ، شبه ردحتله..."انت كده من زمان مع مين؟؟؟معايا؟؟ ده انت كنت بتقول احلى كلام...ده انت كنت بتعاملنى على انى ملكة...ده انا مشفتش فى حياتى رومانسية زى اللى شفتها معاك...انت بس عايز تهدنى وخلاص...انت مش فارق معاك انى مش سعيدة؟؟ طيب مش خايف اسيبك؟؟ مش خايف اغلط؟؟ مش بتفكر خالص؟؟"
ومردش...ضحك ياستهزاء ومردش...فاكر انى فى جيبه عشان فيه ولاد ولا اد كده غروره صورله انى بقيت نكرة؟
بس انا غلطانة...المفروض احب نفسى بصرف النظر هو بيحبنى ولا لأ...
معنوياً ومادياً كمان...انا بقالى كتير اوى اوى مجبتش حاجة جديدة...مش لازم هو اللى يجيبلى...انا اجيبلى...
وبقالى كتير جداً ما نعمتش رجليا...مش لازم هو يحس نعومة...انا احسها...
انا عارفة انى جميلة...نظرات الناس وكلامهم بيقولوا انى جميلة...انا ليه سايبه نفسى انسى ده...حتى لو هو بطل يقول وبطل يشوف...انا جميله...شعرى ووشى وجسمى...انا فعلاً جميلة...
هو مش بيقوللى ليه زى زمان؟؟
عشان شبع من جمالى...ولا عشان امتلك جمالى؟؟
طيب...
انا مخنوقة ومش طايقة نفسى ولا طايقاه...
طيب...
اعمل ايه؟
نفسى اقلب الصفحة وابتدى تانى بداية حلوة...
نفسى اضحك من قلبى تانى...
نفسى ابقى سعيدة تانى...
نفسى احس انى ملكة تانى...
نفسى احس تانى بنظرات الاعجاب وانا لابسة وخارجة معاه فى مكان...
نفسى احس انى سعيدة بيه وفرحانه انى مراته...
بس انا عارفه ان هو مش حيرجع زى زمان تانى...
ويمكن ولا انا...
وعارفه انى مش حاعرف اسيبه...
لانى بحبه
الطريق فتح...كانت مسورة مجارى ضاربة مغرقة النفق ومعطلة السير...
عدينا الزحمة وقربنا من البيت...
بصلى واتريق " زغردى بقى ادينا وصلنا البيت"
مبصتلوش وقلتله "مش حزغرد"

الأربعاء، يوليو 28، 2010

سرقة عُمر منتظم



أفخر بأن حياتى منتظمة...كعقارب الساعة...كدقات قلب شابة يافعة...كضربات أجنحة سنونو...كتنفس زوجتى وهى نائمة بعد عناء يوم طويل.

لم يفلح كدحى وغوغائية الناس من حولى فى تغيير إنتظامى...لم تنجح فوضى بلدى فى إثنائى عن مهامى...

لا ضوضاء حارتى التى تكاد تنهار من أحمال أناس تكدسوا فيها ومنها ، ولا زحام الأتوبيسات العامة التى حملتنى من بيتى لتلدنى بمحل عملى يومياً ذهاباً وإياباً ، ولا بُصاق مديرى المتطاير دائماً ، ولا ثرثرة زميلتى هاوية الكلمات المتقاطعة والتى تصر على مشاركتنا لعبتها بصوت أعلى من صوت البوق يوم ينادى للحشر....لم يفلح هذا وغيره كثيراً فى تغيير مسارى...

فقد كان هدفى واضحاً...جلياً...يملأ عيناى وقلبى وفكرى... فلا أحسب إلا به...ولا أٌقيم إلا له...ولا أبنى إلا عليه...

وهدفى كان هدف كل موظف محترم إستحق لقب "أستاذ".


فمنذ حصولى على شهادة البكالوريا كنت قد نويت أن ألتزم بالوظيفة التى وعدنى بها عمى إمام...وحقاً...ماذا يريد المرء سوى بيت يؤويه ووظيفة يعتاش منها أثناء شبابه...حتى إذا بلغ الستين إستحق الراحة والمعاش بلا عمل...التأمينات تكفل ذلك...وكنت أحسب كل شهر بعد أن توظفت كم يذهب من راتبى الى التأمينات وكم أقبضه بيدى...وكنت أحسب كم سيبلغ معاشى...ومع مرور السنين كم كنت أفرح حين يتنامى الى علمى قرار جديد بزيادة المعاشات وخلافه...وأٌُمنى نفسى وأصبر نفسى وكأنى أرى أمامى فراشاً وثيراً حريرياً ينتظرنى لينفض عنى عذاب الطريق و تمنيت ...وحسبت قيمة المعاش...


كل شىء فى حياتى كان يدور حول أمنية الراحة بعد العناء...حين تكافئنى الدولة عن عملى وعمرى ودفعى للتأمينات...


وكما كان حلم المعاش يراودنى دائماً...كان يراودنى فى صحوى...وكنت حين أحدث زملائى عنه يسخرون منى...


- يا أستاذ الله يباركلك فوق من الوهم ده...معاش ايه بس فى الزمن الأغبر ده


- اما إنت غريب يا اخى...امال بتتوظف ليه...بتدفع تامينات ليه...وبعدين يا ابنى دى مكافأة العمر...تكبر وترتاح من المواصلات والشغل وخلافه...يعنى اللى بتزرعه وانت شاب حتحصده وانت كبير...


- قصد اللى بكسبه وانا شاب بتنهبه الحكومة وانا كبير


- تنهبه ايه بس...لا اله الا الله...يعنى ايه تنهبه


- يا أستاذى العزيز...تقدر تقولى حضرتك بتدفع كام شهرى...


- بدفع ميتين جنيه والشركة بتدفعلى ربعمية


- جميل...يعنى فى السنة سبعتلاف ومتين جنيه...فى الاربعين سنة اللى حتكون اشتغلتهم على ما توصل سن المعاش يبقى حوالى اكتر من ربع مليون جنيه..لو كنت حوشتهم وحطتهم فى بنك كانوا جابولك الفين جنيه شهرى...عارف سعادتك معاشك يعمل كام؟؟ يعمله ربعميت جنيه بالكتير ولمدة كام سنة؟؟ ربنا يديك طولة العمر حتعيش يعنى كام سنة بعد سن المعاش...يا أستاذ وحد الله...دى سرقة علنى ...سرقة قانونية مية فى المية هاهاهاها


- أعوذ بالله منك ومن أمثالك...سودتها فى وشى الله يسامحك...يا سيدى أنا عندى عيال...الله يكرمهم هما ويخدوا المعاش من بعدى


- ربنا يخليهوملك يا سيدى


وتتوالى الأيام...أصحوا فى كل منها على صوت بائع متجولٍ ما ينادى على بضاعته ليجلجل صوته بأرجاء حارتنا الضيقة...ثم أحتسى الشاى مع أم العيال وأخرج فى تمام الثامنة والربع وأركب أتوبيساً لطالما أذهلنى دقة ميعاده...أتوبيساً سائقه منتظم مثلى...يحملنى الى عملى فى تمام التاسعة إلا خمس دقائق..نعم...فمن حسن حظى أن يكون بيتى على بعد ربع ساعة من عملى...أيام الشباب الأولى كنت أذهب مشياً ، إلا أن ساقاى قد كلا عن حملى فآثرت الأتوبيس والشوارع المزدحمة...وأصل الى عملى وأطلب فنجانى قهوة متتاليان أكون أثناء إحتسائى لهم قد إنتهيت من قراءة الجريدة التى لا أترك فيها كلمة إلا وقرأتها...حتى صفحة الرياضة التى لا أحبها...أقرأها عسى أن أجد فيها ما أتندر عليه من أجور اللاعبين أو شجار إدارات الأندية...وأبدأ عملى بالحسابات...أقترب من كراسات وأقلام وآلة حاسبة وأعيش يومى بين الأرقام التى أحبها...


فللأرقام سحر خاص...رقم يعلو بقوم...ورقم يدنو بآخرين...رقم يدلنى على مشكلة وآخر يقربنى من حلها...الأرقام واضحة وصريحة...لا تعنى إلا ما تظهر ولا تحقق الا ما تقدر عليه...الأأرقام ساحرة...حقاً ساحرة...تطمئننى وتمنينى بحياة كريمة...


وأرحل عن عملى مودعاً الأرقام لغدٍ قريب...لأستقل أتوبيساً آخر وأذهب لبيتى فأجد زوجتى تعبق حياتى برائحة شهية وأجد أولادى فأتحدث أحاديثهم وأضحك ضحكاتهم وأشاهد فقط ما يحبونه بالتلفاز...وأنام بمقعدى حتى ينتهون لننهض جميعنا كلٍ الى فراشه...


ويتكرر يومى...ويتكرر...حتى يأتى موعد الإجازة السنوية فيتغير الروتين الى روتيناً أحب وألطف على أحد المصايف التابعة لنقابة التجاريين...


ويكبر الأولاد...فيعمل الولد وتتزوج البنت...وأمرض أنا...ويتم علاجى أيضاً بمستشفى تابعة للنقابة...وأفكر : والله مش خسارة أبداً إشتراك النقابة اللى كنت بدفعه كل سنة ، اهو جه بفايدة.


وأمرض أكثر...ويزورنى زملائى...


- إيه يا أستاذ الدلع ده...إنت عجزت ولا إيه...قوم يا راجل كده انت زى الفل ماشاء الله


- ها ها ماشى يا سيدى...ربنا يكرم


- والله كنت عند الأستاذ ثروت بسوى معاش مبكر فوصانى أسلم عليك أوى أوى وبيقولك ألف سلامة


- الله يسلمه...يا بنى معاش مبكر ايه وتسوية ايه...يا بنى انت ولادك فى رقبتك سيبلهم حاجة


- يااااااه يا أستاذ انت لسه مركز فى الموضوع ده...يا سيدى العزيز ما البنت على وش جواز والولد عدى واحد وعشرين...يعنى كده كده بح...لو ماستفدتش بالمعاش اللى سرقانى الحكومة فى نصه وانا عايش...حتسرقه كله بعد موتى عشان مش حتديه لا للولد بما انه راشد ولا للبنت بما انها اتجوزت


- نعم!!!


- ايوة...مانتا عارف...!!!


- عارف...ايوة عارف...وانا بنتى اتجوزت وابنى اشتغل خلاص وعدى السن


- ربنا يديك الصحة يا أستاذ وتتمتع انت بالمعاش وترتاح...


- ايوه...بس افرض...قصدى يعنى...دى كده ...عمرى كله يبقى اتسرق


- ربنا يديك الصحة يا أستاذ وتقوملنا بألف سلامة!!

الأحد، يونيو 20، 2010

لا عُبور للمُشاه!!

كنت أستخدم بعض الحواس وليس كلها...سمعاً وبصرا وحسا ً فقط...لم أتعود النطق...الإعترض أوالحوار...حتى السؤال لم يكن أبداً مقبولاً...

كانت شرفتى تكاد تطال الشاطىء وكنت أنام كل يوم على صوت تلاطم الأمواج وعلى صوت همسات تمنت نومى السريع...وكنت أقاوم النوم وأكرهه...لكن...كان جسدى يستسلم لحركة الموج التى أنهكته صباحاً...أو كان يجبرنى الله على النوم حتى لا أسمع ما بعد الهمسات...لكنى قبل أن أذهب الى سُباتى كنت أودع الوعى بدمعتين حملتا ما لم أنطقه...

وكنت أصحو كل يوم على صوت مرح أولاد متجهين الى الشاطىء...على وسطهم عوامات ملونة وأدلية لعبٍ بأيديهم أو... على صوت سيارة إسعاف تنطلق مسرعة لإنقاذ أحد عابرى الكورنيش الذى لم يبلغ الجانب الآخر من الطريق فقط لأن مَرِحٌ آخر نسى ان للشارع مارة من بنى جنسه قد يقتلهم برصاصته المُدَويه ذات طراز مرسيدس...

كانت الأصوات تشكل إدراكى الصغير...تعرفنى بحياة صاخبة حتى فى هدوءها...وباتت كل ذكرياتى إما أصوات أو روائح ، فلا زلت أذكر رائحة الموج فى الشتاء وقد تناثر على الطريق...وأذكر رائحة مِنن...صديقتى التى كانت تصيف بذات البناية قادمة من اليمن...كانت رائحتها مزيج من زيت وبخور وعطر...وملابسها مزيج من أناقة وغرابة...حتى بيتها...كان هادىء كالليل ورائحته مثل السلحفاة المائية التى كانت أمها تربيها...كانت أسرة مِنن كبيرة...إخوة كُثُر...وهدوء أكثر...كانت شريرة...تحدق بى بعينين صغيرتين وتقذفنى بسخرية لاذعة...كانت تسخر من ملابسى...شكلى...وأمى...وغياب أبى...كنت أكرهها...ولا أعرف ما الذى أبقاها صديقتى لمدة عامين...كانت تزدرينى وكنت أهابها...كانت تجرحنى وكنت أقضى معظم أمسياتى معها ،
ومع نانا...صديقة أخرى...جميلة جداً...أنيقة جداً بلا غرابة...ذات بيت صخب...به فيديو...وأخوة صغار...وأخت شقراء كعرائس باربى...لم تكن تشعر بى تقريباً...كان كلامها المزهو بأموال أبيها يعبُرنى ويتوجه للجميع...للعالم بأكمله...كان ببيتها رائحة طعام...دائماً رائحة طعام....لم أكن أحبها...كنت مبهورة بحياتها..أكاد أغار منها...فهى لم تكن ترانى...
لم أقترب إلا من فتاة لا أذكر إسمها...كانت بحال متواضع فى كل شىء...كان بيتها جارنا ولكن بعيد عن البحر...صغير...به نباتات كثيرة جداً...طبيعية وصناعية...إهتمت بها أمها محاولة إذابة فرق إجتماعى أو بالأحرى مادى بالتزيين المبالغ فيه للأشياء...كانت أمها فجة لكن كلها طيبة وكرم...كانت تقضى نهارها بالمطبخ تجهز مؤن وخزين لبطون الأولاد...تقشر أطنان من الثوم وتحفظه بالفريزر...تعصر أقفاص من البرتقال وتصنع المربى من الجزر وتنقى أرز لا حصر له ثم تقسمه بأكياس...وكانت بالغة النظافة...وكان أبا صديقتى سمساراً يزدهرعمله بالصيف ويترقب الرزق شتاءً...كان أخواتها كباراً...أخوين بالبحرية وأخت جميلة كنجمات السينما...كانت تمتلك سيارة وتعمل بائعة...كان شعرها حريرى...رائحته شامبو...وأنفها دقيق...وقدها جميل...كان إسمها ميرفت...وكانت صديقتى تنطق الفاء فى إسم أختها فاءً واضحة فجة...

بالصيف كنا نتقابل أحياناً صباحاً للسباحة بالشاطىء القريب...وكنا نتلاقى مساءً على الكورنيش نراقب المارة وننتقد ملابس السيدات أو نشترى الترمس والذرة ويسرح خيالنا بأحاديث بعضها حقيقى...

كنت صغيرة بإدراك كبير ومشاعر مجروحة مما لا أفهمه لكنى أعرفه...كنت أقضى معظم يومى خارج المنزل...وكنت وحيدة...لم أعرف فى الحياة أخوة أو أقارب بمثل سنى...كنت لا أخاف مرور الطريق...فكنت أحب الكورنيش والنظر الى البحر...كنت أسبح كثيراً وأخاف البحر ليلاً فأقف أمامه بالساعات وأشعر برهبة كبيرة...خوف من ظلمته وصوته الذى يغطى على أصواتنا وضحكاتنا المفتعلة...لم أعرف للطفولة "براءة" كما يقولون...عرفتها صمتاً ملوناً برائحة الموج وشواء الذرة وعطور المارة...

وكانت إحدى الأمسيات...وكنا على الكورنيش...وإزدرتنى مِنن لأننى قد إرتديت بلوزة بلا أكمام وتجاوزتنى نانا وهى تحكى عن رحلة لندن وصمتت معى الصديقة التى لا أذكر إسمها...وملأ الهواء رائحة قذرة وإستدرنا جميعاً لنجد رجلا ذو جدائل من شعر وطين...لونه أسود من وسخ...يرتدى جاكيت...وفقط جاكيت...يصيب المارة بالذعر على الرغم من أنه لم يقترب من أياً منهم...فقط كان يمشى يحدث نفسه...نظرت تجاه شرفتى ورأيت أمى تشاهد وتشير لى بأن أذهب إليها...عبرت جانب واحد من الطريق ورمقتها بنظرة أخرى فوجدت ظلاً آخر فهممت أن أعبر الجانب الآخر حتى أسرعت سيارة...ترددت للحظة فخارت قوى ساقاى وسقطت أرضاً بوسط الطريق...سمعت صوت السيارة تتوقف وملأ أنفى رائحة عادم سيارة أخرى...أحدهم ساعدنى على الوقوف...كانت ساقاى بخدر لكنهما حملانى...عبرت الطريق...ودخلت المنزل...وبعد دقائق أُمرت أن أبقى بغرفتى...ولم يكن لى إلا شرفتى...رأيتهم ما زالوا يتحدثون...وقد رمقتنى مِنن بإستهزاء فهى تكاد تعرف ما يدور بمنزلى...وتجاوزت نانا رحيلى وإستمرت فى سرد مغامراتها ...ربما مغامرة الهند هذه المرة...وظلت صديقتى التى لا أذكر إسمها تنظر بإتجاهى مبتسمة إبتسامة طيبة...حاولت أن أبدو لا مبالية...وكأنى أصنع شيئاً هاماً...فأتيت بمجلة ميكى...ثم رقصت قليلاً...ثم دفعت الأرض بقدمى قليلاً حتى يهدهدنى الكُرسى الهزاز...مر الوقت...وعاد معظم الناس الى بيوتهم...وخلا الكورنيش من المارة الا فيما ندر...أصبح صوت الموج أكثر وضوحاً...ورائحة البحر أكثر نفاذاً...لم يكسر اللوحة الليلية الا مرور سيارة مسرعة أخافتنى...وحمدت الله أنها لم تصدم أحداً...نظرت عن يسارى...على بناية على ناصية الكورنيش بها جراج بابه بإتجاهى...رأيت السيارة الزرقاء بداخله مثل كل ليلة...ورأيت العامل الذى ينظفها مثل كل ليلة...لكن...كان ينظر بإتجاهى نظرة ثابته بها ما ظننته مُريب وخاطىْ...كان نصفه مختفٍ وراء باب السيارة يكاد يخفيه الظلام...ووجهه ظاهر ينيره ضوء الشارع...أصابنى الهلع لا أعرف من ماذا...وقررت أن أستسلم للنوم...على صوت موج البحر..بعد دمعتين لم يحتاجا لهمس كى يعلنا إعتراضى ويبللا وسادتى...

وإستيقظت صباحاً على صوت إرتطام وصدام سيارات...جريت للشرفة فرأيت أحدهما ملقىً بجانب الرصيف...تحت رأسه دماء كثيرة غطت بذلة البحارة التى إرتداها...تسارعت دقات قلبى وقد عرفته..هو أحد أخوة صديقتى التى لا أذكر إسمها...إسمه محمود...أسمر فارع الطول قوى البُنية ذو ملامح غليظه كانت تخيفنى...
بكيت...لا أذكر لماذا بكيت...هل لأننى خفت الدماء...هل لأنه محمود...هل من أجل صديقتى...أم أننى وجدتها حُجة كى أبكى بصوت طوال اليوم وأمام أمى دون أن أُسأل عن السبب الذى لن أستطيع أبداً معرفته...لن أستطيع أبداً نطقه...

ذهبت الى بيت صديقتى..لأجد بكاء صامت من أسرة كانت ضاحكة صاخبة...ميرفت وقد غطت شعرها الحريرى بإيشارب أسود...الأم الفجة وقد غَرُبَت عيناها حزناً...صديقتى تنتحب بلا توقف على "أبيه محمود"...
لم أستطع البكاء معهم...فقط...تسائلت أين نانا و مِنن...لم أجد إجابة إلا ظل ضحكة شاحبة ساخرة من سؤالى...جلست صامتة مثلهم...أستمع الى قرآن...أحاول فك شفرات همس نساء جلسن فى حزن...فكرت...وفكرت ...ثم تركتهم وإتجهت الى البحر...عبرت الطريق ومشيت لدقائق...وقررت أن أعود لصديقتى...هممت أن أعبر فتسمرت قدماى...أصابنى رعب...كان الطريق هادىء فارغ...عُدت الى البحر...صوته طمأننى...رائحته أراحتنى...منظر الصيادين وسنانيرهم أعادنى الى ألفة محببه...مر الوقت...غابت الشمس وأيقنت أننى يجب أن أعبر ويجب أن أعود...إستجمعت شجاعتى وجريت بكل قوتى عابرة الطريق دون أن أنظر...جريت الى غرفتى...وإلتقطت أنفاسى وأنا بالشرفة...وشعرت بالأمان...
وأقسمت ألا أعبر الطريق ثانية...لم أودع البحر...ولا صوت الموج ولا رائحته...فقد ظلوا أصدقائى لكن من شرفتى...
كنت صغيرة...
لم أكن أعرف أننى سأظل أرفع رايتى حتى وقد صرت على أعتاب الخمسين...
أننى سأصاحب الأشياء عن بعد..أننى سأفضل الأمان على القرب...
وسأفضل أن أكون وحدى على أن أكون وحيدة...
وأننى سأفضل عدم النوم على نوم عنوانه دموع...
ورفعت رايتى دائماً...راية كنت أتمنى إعطائها لصديقتى أمل -التى لم أكن أذكر إسمها- قبل رحيلى عن تلك البلدة...
راية : لا عبور للمشاه!!

السبت، مايو 15، 2010

المرأةُ الثُريا

هى المرأةُ الثُريا...
هى تختال بشعر كبير توج رأسها...هى تتمايل بقدٍ صغير...بساق رفيع...بكعب طويل...بوسطٍ دقيق...بأصابع رشيقة...وأهدابٍ مصفوفة وممشطةِ بسواد ثقيل...وحاجبٍ مدقوقٍ موشوم...وشفاهٍ مرسوم حمرته قاتمة...ووجنةٍ بارزةٍ لامعة...وسنٍ ذا بريق مائل إلى العاج...
وأظافر تناجى حمرة شفتيها...ورداء حريرى ملتف لفاً ومنساب كماءٍ هادر على كتفيها...
هى تصفق تصفقياً خافتاً يكاد يلمس كفها فيه أخيه بالأعراس...
هى التى تصفق بخفوت...ولا ترقص!
هى التى ترمق بنعومة مختبئة بلا مبالاة ولا تنظر!
هى التى تبتسم ولا تضحك!
هى التى لا تعطى ولا تأخذ!
هى تعلق بأذنيها ماساً...وبصدرها ماساً وبمعصمها معدن نفيس يعانق ماساً وبأصابعها دوائر تلف ماساً...
هى كل ما بها لامع...صمتها لامع...غموضها لامع...
هى تشُدُ اليها ذكوراً وتُخيف إناثاً...
هى تشُدُ حتى الهُيام وتدفع حتى الغرام...
هى لا يعلمها أحد ويعرفها كُلُ الناس...
هى تُخلف وراءها سرباً من رحيق عطر يغلف الأجواء...
هى ذات فاه منطبق إلا قليلاً...وفاه منفرج كثيراً كثيراً...وفاه يكاد أن يقول ولا يفشى سره أبداً وأفواه تناديها ولا تلبى نداءهم ألا لمماً...
هى المرأة التى تآخى النجوم أرضاً وسماءً...
هى التى تداعب خيالهم مساءً وصباحاً...
هى المرأة الوهم...التى إن تمنت تبتغى طبخاً وصراخ عيال...
هى المرأة التى تصبو الى جلباب أو عُرى يلاصق قلباً واحداً كفر بغيرها...
هى ليست حقيقية بل موجودة...لن تعيش بل فقط تحيا...
هى المرأة التى لم يسكن رحمها نبضا ولم تُسَكِّن نبضا...
هى التى يسرقها الكثيرون لخيالهم...
هى التى تسرق كثيرون لا يرتقون لخيالها...
هى أحبت...فسال كحلها من لهب موقد أعد لحبيبها حناناً...
هى أحبت...فوجدت كنفها عند قدميه...
هى أحبت؟؟
قد...
يمكن...
يجوز...
هى تبجل كحلها كى لا يسيل...
هى إعتزلت الأقدام وسكنت القصور...
هى المرأة الثُريا...ذات الماس والحمرة والرداء الحريرى
هى المرأة الثُريا...ذات يسار به مقعدٍ فارغ...أبدا.
وعين لامعة لن تعرف بكاءً...أبدا.

الأربعاء، مايو 05، 2010

حبة قبل النوم بسنة

كانت علبة صغيرة خضراء ، تناولتها بأمل وبحث عن راحة وقتية...أخذت إحدى الحبات ونظرت الى الساعة...الحادية عشر والنصف مساءً...تمنت لو نامت بعد منتصف الليل بساعة...نموذجياً كان التوقيت...تمنت لو تنام...ليتوقف ذهنها عن العمل قليلاً...ويرتاح عن جلد ذاتها قليلاً...فَجَلَّ ما تمنته هو الراحة لبعض الوقت...
مرت ساعة وهى تشاهد تلفازاً لم تفقه مما فيه شيئاً...فكان ذهنها يصور لها مشاهداً أخرى تعرفها تماماً....مشاهد تجمعها به وهما يتعانقان بشوق بعد عودتها من العمل ومشاهد وهى تستبدل ثياب العمل بأخرى تمكنها من تنظيف بيته...مشاهد قريبة ليداها اللتان لم تعرفا التنظيف وهما ممسكتان بدلو الماء ويمسحان أرض بيته...حباً فيه...رعاية له...وكان ذهنها يصور لها مشاهداً أخرى عرفتها مؤخراً...مشاهد لم ترها ولكنها أدمتها...مشاهد البيت النظيف الذى شهد على يديها بريقاً وهو يستقبل رفيقاته...مشاهد تقرب منها أغطية سريرها الجميل الذى ظنت أنها تبتاعه لزواج سيدوم عمراً ويشهد عشقهما...مشاهد أغطية غرقت بعرق مومسات أبدلهم بها لساعات قليلة غابت فيها عنه...
مرت الساعة وهيئت للحبة مجالاً كى تعمل...فتوجهت الى سرير صغير لم يعرف الا جسدها هى فقط...سرير غمرته رائحة عطرها...وبقايا عطره...عطره وعطرها فقط...
إستلقت على جانبها الأيسر فى مواجهة باب الغرفة كعادتها...وإفتقدت يده التى طالما أسندها الى ظهرها لتشعر به حتى وهى نائمة...فإنتفضت من الألم...حيث كان للجانب الأيسر نصيب الأسد من كدمات سببتها قبضاته فتورمت الدماغ والذراع والساق وجرحت...
تقلبت ونامت على جانبها الأيمن الذى لم يؤلمها به دماغها بل كدمات أبسط محتملة بذراعها وساقها...وإفتقدت إحتضانها لظهره ونومهما الهادىء...وفكرت...هل يعقل أن تفتقده؟...بعد كل ما فعله...وثارت برأسها التساؤلات ثورة شعب مقهور من طغاته...هل كان طاغيتها؟
هل يشعر؟ هل يندم؟ أهو الآن يضاجع إحداهن؟ أهو الآن يبكي حنانها؟ هل يفتقد أطفالهما؟ هل تقول له بمرضهما وبكائهما المستمر؟ هل تنفث عن غضبها؟ هل تؤذيه؟ هل تقتله؟ هل ما زالت تحبه؟ هل بالفعل تكرهه؟ هل تعرف غيره؟ هل ستتزوج ثانية؟ ماذا كان يشعر وهو يخونها؟ هل يندم بعد كل كذب؟ هل هو حقاً مريض؟ هل يستحق؟ كيف يحب جسد نقى ثم يمرغ نفسه بأجساد مدنسة؟ كيف أحبها وقتلها؟ كيف كرهها هكذا؟ لماذا لم يتركها؟ لماذا فضل عليها جميع المعاصى؟
لماذا فرط بعائلة لم تحب غيره؟ لماذا إستهان بملائكة صغار رسموا له كلمات الحب بخطهم المتعرج الملون؟ هل هو شيطان من الإنس؟ هل هو الطفل الذى أحبته أكثر من نفسها؟
غضبت...ثارت أكثر وتركت سريرها وأشعلت سيجارة وكأنها تشعل قلبه حنقاً وغضباً...توجهت الى النافذة...وتسائلت لماذا تحقق فى السيارات المارة؟ هل تتمنى أن يكون هو؟ هل تخاف أن يكون هو المار؟
نظرت الى الساعة فوجدتها الثانية...تأففت...وتسائلت لما لم تعمل الحبة؟ فقد مرت ساعتان وأكثر...بل تشعر بنفسها أكثر إنتباهاً...أكثر إنتباهاً للتفاصيل...وتذكرت يوم كان مريض وأسرعت إليه ووقفت على الباب طويلاً وهو لا يفتح وحين نزلت بعض الطوابق ناداها...هل كانت إحداهن عنده وهرّبها ثم ناداها؟؟ الهذا لم يشاركها الفراش يومها؟ وتذكرت حين أقنعها انها سببت له علامة حب بعنقه رغم انها كانت متأكدة أنها لم تفعلها...فكرت: كيف إقتنعت؟؟ غبية!!
لفحها هواء بارد جداً رغم انها بكامل ملابسها...فهو يغضب جداً إذا فتحت النافذة مرتدية شيئاً مكشوفاً وإن كان فى ظلام الليل الدامس...
حرق حلقها الدخان فذهبت الى المطبخ لشرب بعض الماء واهتمت بقفل نوافذه فى الظلام وقبل إضاءته...فهو يغضب جداً إذا تركت نافذة المطبخ مفتوحة وهى فيه...
عادت الى النافذة...وغضبت جداً...إبتلعت غصة بكاء حار وغضبت جداً...على كل هذا الحب الذى أحبته له...على عينيه التى إحتارت فى لونهما...على جسده الذى كان أول إهتمامها أن ترعاه...على كلماته وضحكاته التى تزامنت مع ضحكات لم تعرفها قبله...على جلساتهما وقهوتهما وراحتهما بجانب بعض وإن ظلا صامتين...على وثاق جمعهما به الله برحمته ليجعل حبهما شريفاً نقياً بلا أدنى خطيئة...
غضبت...من نفسها وعلى نفسها...غضبت منه...تمنت له الضر...أن يذوق عذابها ولا يعرف راحة أبداً...وتذكرت لحظة غاب فيها عن روحه الطيبة وأبرحها ضرباً...تذكرت كيف دفعته عنها مراراً وبعنف...تذكرت كم كرهته وقتها وكرهت نفسها...وتذكرت كيف لم تطاوعها يديها للإمساك بذاك الحجر...وتذكرت كيف دافعت عنه حين هاجمه الناس...
واجهت نفسها بحقيقة مشاعرها الآن...فالأمر لم يعد يخصه هو فقط...بل يخص المعنى الذى بداخلها...فقد كرهت الحب...كرهت الحب ذاته...
وتذكرت شفتيه...لم تعرف يوماً أن للشفاه مذاق إلا معه...وتذكرت قبلات عدة بمواقف عدة...وعرفت أن القبلة التى لن تنساها يوماً هى التى طبعتها على خده محاولة تهدئه وبعده عن من كادوا أن يؤذوه...برغم جراحها وآلام جسدها وجدت بداخلها قبلة أعطتها له..فهدأت ثورته قليلاً وتوقف عن السباب والضرب...
تسائلت ثانية أين هو...لماذا باعها بلا مقابل...لماذا تخلى عن حبهما من أجل نَجَس ودقائق ثوانيها شهوة...ولماذا أحبته...لماذا صبرت حتى خذلها لدرجة أن صارت حطاماً...
شعرت وكأن بركان يتفجر بداخلها...غضب...ألم...ومزيد من الغضب...
لأنها علمت أن الخيانة لم تكن منه...بل كانت من نفسها!

الأحد، فبراير 28، 2010

معسكر المطلقات

ابتسمت بسخرية للفكرة ولكنى انجذبت...وذهبت ، بعد أن حرصت على جمع افضل الثياب الرياضية وثوبى سهرة إذعاناً لفكرة: "ربما. "
لم انم الليلة السابقة للسفر للمعسكر الذى اقيم باحدى الشواطىء المهجورة لمرسى مطروح...فقد كان على تنعيم الساقين والذراعين وتنقية الوجه...بل وتصلب ظهرى من طول وقفتى امام مرآة الحمام حيث حرصت على تغطية كل شعرة بيضاء ظهرت رغم سواد شعرى الفاحم...كنت اعرف اننى جميلة وتشوبنى بعض العيوب ، مثل ردفان عظيمين والنمش الذى غطى وجنتاى.

لا اعلم لما تحمست ووافقت على الذهاب...خاصة وانا المتنمرة التى لا اكاد اطيق معاشرة الغرباء ولا ضوضاء وثرثرة النساء...

استقللت سيارتى ومشيت وراء اسطول السيارات الذى اتجه معى نحو المعسكر بعد فجر احد ايام الربيع العجيب الذى شهدته الاراضى المصرية...فقد كان ربيع ذو مناخ بارد يتحول الى حار جداً او بارد جدا بسرعة وتناوب غريبين.

طالت الرحلة وتعبتنى القيادة خصوصا مع حرص السيدات الفاضلات على الالتزام بسرعة 100 كم/س...كانت سرعة خانقة بالنسبة الي...فانا اريد ان تنتهى المسافة...ان تخلص...ان تسرع ونصل باقرب وقت.. لا اعلم لما انا دائماً فى حالة ملل من الانتظار واستعجال للنتائج...ربما بسبب شعورى القوى ان عمرى لن يسع التباطؤ والتاجيل...ان ما لى ليس لى فعلا ويجب التمسك بكل ما اتيح سريعا...

طالت الرحلة ولكن حقيقة ان المسافة تتناقص اصبحت مفرحة حين اشارت اولى السيارات المتقدمة عن السرب والقائدة له ان يتخذن كلهن يمين الطريق ايذانا بوصولهم سالمين.

لم يكن فندق فاخر كما اعتدت...بل لم يكن فندق اطلاقاً...كان اشبه بمعسكرات الكشافة حيث الاكواخ والبحر وبعض الادوات الاساسية للمعيشة...اشمئززت داخلى ولكنى لم اشتكى...انا اتحمل!!!

استقر الجميع واعلنت السيدة المرموقة صاحبة فكرة المعسكر ان عليهن الاجتماع تحت المظلة الكبيرة المطلة على البحر...فرحت كالطفل...حيث ان البحر الراقى دائماً والجميل يسبب لى سعادة تلقائية بمجرد رؤيته واشتمام نسيمه...

كنت اول السيدات الخمسة عشر اتخاذا لمقعدى...مقعد استراتيجى يتيح لى رؤية البحر اكثر من رؤية زميلاتى بالمعسكر...

بدأت السيدة المرموقة الكلام بصوت رخيم يليق بمذيعة للراديو...كانت سيدة ذو وجه طيب وعينان نفاذتان تنمان عن شخصية ذكية ورصينة :
- سيداتى الجميلات...المستقلات...الراقيات...اللاتى ادت الظروف اياً كان نوعها ان يكن مطلقات...برحب بيكم فى المعسكر الرابع للمطلقات .
الحقيقة انا كنت خايفة ان لفظة "مطلقات" تزعج صديقاتى الحضور بس حبيت يكون ده استهلال مرحلة تقبل للفظ والمعنى بدون اى استياء او خجل...لان آن الأوان نعلم المجتمع يبطل يشتمنا بكلمة هى مجرد وصف للحالة الجتماعية ودلالة على الخبرة العائلية السابقة ليس الا...
ها ها ها لأ مفيش لزوم للتصفيق...مفيش مرشحين هنا ولا انتخابات...هاهاها
المهم...احب باختصار أشرح الهدف من رحلتنا ومعسكرنا ده...الحقيقة...تبادل الخبرات والصراحة ومواجهة النفس اول درجات قبول الحياة وواقع ان الطلاق مش عار...والاحساس بالعار من حق مشروع وحلال هو سبب اذماتنا النفسية داخل مجتمع محسسنا بغربة وبيمارس ضدنا عنصرية مقنعة من ادنى ما يمكن..بالرغم من انه حق شرعى كفله ربنا للازواج من النوعين.
انا مش حطول عليكم...خلال الاسبوعين...حنفهم كتير وحنحس كتير وحنتكلم اكتر...عشان يبقى اصلاح المفاهيم الخاطئة لازم يبتدى من عندنا الاول.
ودلوقتى...نتعرف على بعض وبالدور بقى نعرف نفسنا ، اسم ووظيفة وعدد اولاد ومن امتى مطلقين والسبب لو تحبوا.
اتفضلى مدام رانيا...

ووقفت المدعوة رانيا والتى - بتقديرى - لم تتجاوز الخامسة والعشرين...فتاة انيقة ذات قوام جميل يدل مظهرها على الثراء الا ان رعشة يديها تدل على عطب داخلى كبير.

- انا رانيا الكومى...عندى 26 سنة...عندى ولد عنده سنة وحاتجنن انى سايباه مع مامتى بس الدكتور نصحنى بالمعسكر ده (وضحكت ضحكة عصبية ) بقالى 4 شهور مطلقة...واطلقت لانه...لانه عنيف.
واطرقت...بخجل وانكسار...وجلست سريعاً وكأنها خائفة ان يسألها احدنا اى سؤال آخر...قلت فى تفسى "اما ابن كلب حيوان صحيح. "

ووقفت من تلتها وهى سيدة اكبر سنا تجاوزت الاربعين ذات شعر احمر نارى واحمر شفاه نارى وحقيبة استقرت بجانبها كبيرة جداً حمراء هى الأخرى...اتعجب لماذا يقفن...لسنا فى مدرسة على أى حال...

-انا مدام جى جى (وكانها تحذر اى احد ان يرفع الكلفة معها) ...مش حقول سنى عشان كده مش كويس هاهاهاهاهاهاها...عندى ولدين الاتنين بيدرسوا فى امريكا...اطلقت من سنة بعد ما طلع عينى...بخيل ونتن وبيبص برة...ويا ريت كده وبس كنت سكت واستحملت عشان برستيجى الاجتماعى...انما كمان رفض يغيرلى المرسيدس...انا مش فاهمة...قلت له ميت مرة لازم يكون فيها فتحة سقف ولونها احمر....قرفت...سيبته.

نظرت حولى لارى هل تقيأ أحد وسبقنى ام انا الوحيدة التى تقززت من هذه السيدة واشفقت على زوجها.

لم اتنبه ان التالى كان دورى الا عندما نبهتنى صديقتى ليلى الجالسة بجانبى...تلعثمت وشعرت بصوتى يكاد لا ينطق...ولكنى بدأت وانا اكاد لا ارى اى احد تفصيلا بل مجرد خيال جالسين فقلت:

- انا نور...عندى 36 سنة...وعندى ولد وبنتين...وانا...انا...

ومادت الارض بى...فقد ادركت لحظتها ما انا به...وكيف كنت طيلة السنة الماضية...ومن انا...كم انا مدعية حالمة غبية...كم انا جبانة وواهمة وغير منطقية...كم انا خائفة وان معنى وجودى هنا قد استقر بقلبى كحقيقة واقعة لا محالة منذ اشهر طويلة...ولكنه تمسكى بالوهم والحلم معاً...وهروبى من الم حارق غداً...ورفضى لان اكون ما يجب ان اكون...

- انا...متجوزة!!!

الجمعة، فبراير 12، 2010

مطرقة مثلجة

كان فتىً أسمر ذو ملامح تمتزج فيها السماجة مع نظرة قهر محيرة تطل من عينيه فبان كالفأرالمذعور...لم يحبه معظم الناس بالرغم من انه لم يتجاوز الثانية عشر...ربما مقتوه بالتبعية لمقتهم لأمه التى تجنبها معظم أقاربها وجيرانها لأنها "أذى" .
كان فتىً أسمر ذو ملامح تمتزج فيها السماجة مع نظرة قهر محيرة وكانت عيناه تلمع كلما هبط بالمطرقة بكل ما أوتى من قوة على بلاط أرض غرفة أمه...كانه ينتقم منها ومن نفسه ومن الغرفة التى طالما مُنع الدخول اليها واللجوء الى هواها البارد فى نهار الصيف الحار...عندما أعطته أمه الليلة السابقة مطرقة ثقيلة وأمرته بتكسير البلاطات القديمة التى غطت أرض غرفتها لأنها تنوى تغيير الارضيات ، لم تشرح له لما لن يقوم العمال بعملية التكسير...ولكنه لم يحتاج الى تبرير ، يعلم أنها تريد توفير الجنيهات القليلة مقابل التكسير ورفع المخلفات...يعلم كم هى بخيلة...بل علم طيلة حياته بشحها وبخلها عليه وحده ودون نفسها.
هوى بالمطرقة بكل ما أوتى من قوة على البلاطة المجاورة ليده التى استند بها على الأرض الباردة النظيفة...نعم ، فقد كانت أمه شديدة الإعتناء بنظافة البيت فكان البيت البسيط الصغير يبرق بفضل اعتناء امه وتكليفه بعدم تحريك أى شىء من مكانه وعدم فتح الثلاجة أو دخول المطبخ الا بإذنها...لذا ، فقد اقتصر تحركه فى البيت على سرير عرضه متر بجانب نافذة خشبية صغيرة فكان ان مل جلوسه او نومه على السرير نظر الى الشارع من فتحة بالشباك الصغير خوفاً من فتحه وسباب أمه "انت يا ابن الكلب...اقفل الشيييييش...الدبان حيملا البيت " .
جمع البلاطات المتكسرة بيدية الى ركن الغرفة وعاد ليمسك بالمطرقة وقد تورمت راحته قليلاً بسبب يد المطرقة الخشبية الخشنة ثم هوى بها على بلاطة أخرى...كان قد بدأ التكسير من منتصف الغرفة تماماً راسماً - بالتحطيم - شكلاً هندسياً مسدساً أعجبه...فقد إختلط التحطيم نزولاً على رغبة أمه بالرسم الهندسى الذى طالما أعجبه بالطاقة اللذيذة التى اعترته كلما هوى بالمطرقة مكسراً بلاطة جديدة وكانه هرقل ذو القوة الهائلة والقبضة الأسطورية...
لم يشعر يوماً أن به إمكانات الرجل من قوة وجرأة وخلافه...تمنى رفع صوته...صوته الذى حاول جاهداً أن يجعله خشناً كصوت أقرانه...ولو بالإدعاء...ربما كان طول صمته هو السبب...فلم يكن له أخوة ولم تكن تحدثه أمه الا إذا أرادت أن تأمره بشىء ولم يكن يحدث أباه إلا يوم الأربعاء حين يزورهم...فقد كان زوجاً لإمرأة أخرى وأباً لأولاد آخرين لم يطلب منه أحد يوماً أن يشير إليهم بـ "إخوتى"...حتى الفتاة الشقية التى تسكن بالدور الثانى من ذات البناية لم تتحدث اليه الا نادراً...الفتاة الشقية التى تحدث جميع أولاد الحى...كانت تكتفى بالنظر مطولاً الى شعره اللامع الذى يتحكم الفازلين بتجعيداته ، ثم تبتسم وتمشى بعيداً دون كلمة.
تعبت يداه...فقام الى الحمام ليغسل يديه ربما تبردان قليلاً...ترك المياه البارده تخفف من وجع يداه قليلاً...غسل وجهه أيضاً وألقى نظره على وجهه بالمرآة وتعجب من شبهه الكبير بأمه عدا حاجبيها شديدى الرفع التى تحافظ على شكلهم الغريب يومياً بالجلوس قرب النافذة فى الشمس ممسكة بالملقط والمرآة ليصبحا هلالين شديدى الدقة وأقصر قليلاً مما يجب...صفف شعره بعناية وأجل وضع الفازلين المحبب اليه لحين إنتهاءه من عمله.
ألقى نظرة على الصالة حيث تجلس أمه فوجدها تحتسى كوباً من الشاى بإستمتاع شديد وهدوء مقلق...وكأنما تحيك مكيدة جديدة لأحد...كانت مكائدها هواياتها الأولى والأخيرة...لم ينسى يوم بكت بلا دموع لجارتها ام شريف حتى تقرضها خمسون جنيهاً وهى التى لا يخلو دولابها من مئات الجنيهات...ثم رفضت ردهم اليها قائلة : "انا استلف منك انتى يا معفنة...انا قبلت من كرم اخلاقى اسامحك على الاريال اللى كسره ابنك الاسبوع اللى فات واخدت الخمسين جنيه تمن تصليحه"
لم ينسى يوم امسكت بمطفئة السجائر الزجاجية وخبطت راسها بها بقوة حتى سال دمها ثم صرخت وبكت وجرت الى قسم الشرطة المجاور محررة محضر ضد ابيه فقط لتعلمه الأدب على تركه لها أسبوعان بلا زيارة...وقد تعلم!!!
نظر الى الشكل الهندسى من بعيد وابتسم زهواً بدقته...او ربما مستمتعاً بتحطيم جزء من أمه...غرفتها.
كان فتىً أسمرذو ملامح تمتزج فيها السماجة مع نظرة قهر محيرة...وكان إذا غضب دخل الى الحمام ليبكى فى صمت خوفاً من وصول صوته لأمه فتضربه على الإزعاج الذى يسببه لها وهى "صاحبة مرض وضغطها عالى والصداع اللى نازل على عينيها قرب يعميها"..كان "ابن ميمى" ...لم يدعوه أحد بإسمه...ربما لم يعرفوا أن إسمه وليد...أو ربما معرفتهم لأمه كانت أهم فطغى وجودها على إسمه...وكان وجودها إسماً مائعاً يخلو من المعنى ومجرداً من أى صلة تربطه بها فلم يكن فيها مايستدعى أن يدللها أحد بإسم مثل "ميمى" ...بل كان شبه متأكداً أن هى من دللت نفسها بهذا الإسم الكريه...
دخلت عليه فجأة...
"إنت مبتشتغلش ليه كويس يا ولا؟"
"ايديا ورمت ووجعانى"
"نعم؟؟...العمال جايين الصبح...ودول بيقبضوا باليومية...وانا مش دافعة مليم احمر ليهم عشان ابنى العرة عامللى بنوتة ومش عارف يكسر كام بلاطة...يللا اشتغل"
ابتلع دموعاً كادت تفضح جرح كلماتها واسلوبها الفظ وقام من مكانه صامتاً واراها راحتيه...كانتا حمراوين متورمتين...جفلت أمه للحظة وربتت على كتفه وقالت...
"يلا كمل شغل بلاش دلع...ولما تخلص حاعملك مفاجأة"
لمعت عيناه وابتسم وقفز قلبه فرحاً غير مصدق أن أمه نطقت بهذه الكلمات فلم يعرف يوماً ملمس الهدية أو فرحة المفاجأة
"بجد يا ماما..طيب قوليلى ايه هى...والنبى الله يخليكى قولى"
ضحكت ونظرت اليه متوقعة قفزات الفرح ومتخيلة الأرض وقد تكسرت كل بلاطاتها...
"حديك ازازة بيبسى"
صمت...نظر اليها مشدوهاً وقال:
"بجد؟!"
"نعم"
"من الصندوق ام من الثلاجة؟"
ترددت قليلاً ونظرت وراءه على ما تبقى من بلاط بالأرض وقالت:
"مثلجة"
لم يرد عليها بل ابتسم حتى كاد ان يخط شفاهاً جديدة والتقط المطرقة بسرعة وبدأ فى الدق السريع المتلاحق بكل قوته ناسياً الشكل الهندسى ...غير شاعر بالألم الذى نغز راحتيه...نظر اليها نظرة خاطفة وهو منهمكاً فى الطرق والتكسير فوجد ابتسامة رضا على شفتيها الرفيعيتين اللتان لم تعرفا المساحيق يوماً...ربما كانت أمه ذكية عندما علمت انه لا يمكن لها بأى حال من الأحوال ان تزيدها مساحيق التجميل جمالاً...فقد كانت صاحبة ملامح يمتزج فيها شبح قبح مع الكثير من السماجة وعينان شديدتا الصغر ازدادتا صغراً من نظاراتها السميكة...حتى حين يستقبل بيتهم ضيوفاً -وهذا نادراً- أو حين تخرج مع ابيه -وهذا أندر- لم تتجمل يوماً إلا بلباسها شديد النظافة والأناقة.
لم يصدق نفسه وخيل اليه انه يحلم...سيأخذ زجاجة بيبسى...سيمسكها بيده...سيلتقم فوهتها ويشرب منها...
كانت أمه تعشق البيبسى...وكان لا يكاد يفرغ صندوقاً للبيبسى ذو الزجاجات الصغيرة حتى تطلب من البقال المجاور صندوقاً آخر...كان تعد الزجاجات فى الصندوق...أربعة وعشرون زجاجة...تضع الصندوق بالمطبخ أسفل الحوض وتأخذ زجاجتان فقط لتضعهما بالرف الأعلى من الثلاجة...فقد كانت تحبها مثلجة جداً...تأخذ واحدة بعد طعام الغذاء والأخرى تحتفظ بها للضيوف الأعزاء لتبهرهم بالزجاجة المنظفة بعناية والمثلجة بشدة ...
كم تمنى يوماً أن يتذوقها...يتذوق زجاجة كاملة مثلجة فُتِحت له خصيصاً...فقد كانت أمه تعطيه بقايا زجاجات الضيوف...بعد أن تفقد برودتها وقوة طعمها...إلا الفتاة الشقية التى ناولتها أمه زجاجة فى مرة كانت تريد أن تسترضى فيها أمها...فالفتاة الشقية تأخذ القليل وتمشى بسرعة فيلحق بعضاً من البرودة ومعظم الطعم...ربما كان لهذا يحبها...ربما علمت بحرمانه فأهدته قبلاتها على طرف الزجاجة...
ظل يهوى بالمطرقة دون توقف حتى انهى كل الغرفة...نظر اليها وقد خلت من اى بلاط...اى لون...اى شكل هندسى يحبه...كانت فى قبح أمه...
ظل يحمل فى اكياس حطام البلاطات ليخرجه الى الرصيف المجاور لنافذته حتى اغتربت الشمس وحل به تعب شديد وعندما غسل يديه بانت الجروح التى غطتها الأتربة...لم يعبأ لهم او للألم...كل ما كان يهمه هو تناول الزجاجة المثلجة...
ذهب الى امه مبتسماً متسائلاً عن جائزته بدون كلام...تأففت وقامت لتعطيه الزجاجة...وأمسكها...بيدة المتشققة جروحاً...فأراحته برودتها وهدأت من الألم...فتح الزجاجة وجلس على حافة سريره يتطلع اليها...رفعها اليه وشرب...مادت به الدنيا من السعادة والنشوة وظل يشرب وقبل ان يفرغ منها -وهو الشىء الذى حرص الا يحدث سريعاً - لمعت عيناه بفكرة لذيذة كالسائل الساحر الذى يرطب جوفه...
متى سيكبر ويشترى صندوقاً ليضعه أسفل الحوض ويثلج لنفسه منه زجاجة...بل إثنتان...بل سيثلج الصندوق كله!!!

الجمعة، يناير 08، 2010

ابن ناس

- ماما...احنا عندنا فلوس كتير انا عارف...بس اد ايه؟
- ممم...اشمعنا؟
- قوليلى بس...عندنا فلوس اد ايه؟؟
- كتير والحمد لله...نفسك فى ايه قوللى
- منفسيش فى حاجة...بليز ردى عليا...مليون؟؟ عشرة مليون؟؟ اكتر؟؟ اد ايه؟
- كتير يا حبيبى كتير متقلقش...عارفة انك اتخرجت وعايز تعمل مشروع وعاملة حسابى...كنت لسه بكلم سامية برهان فى الموضوع ده...اصلك اكيد محتاج حد خبرة معاك لغاية ما تفهم الدنيا فيها ايه...
- انا فعلا مش عايز حاجة ومش بسأل عشانى اصلاً...طيب قوليلى...اللى معانا يعيشنا كويس اد ايه لو بطلتى شغل؟؟
- آآآآه....شغلى...اوكى كده فهمت...مش كنت تقول!!!
- انا مش قصدى اقول حاجة...(متردداً ومتقهقراً عن مواجهة خاف ان تجرح امه)
- احسن برضه...باى...انا خارجة.

ذهب الى غرفته واشعل لفافة تبغ وإتكأً على سور شرفته التى تطل على نيل القاهرة الساحر...ارهقه الهاجس الذى بات يسيطر عليه اكثر فى الآونة الأخيرة...رفضه لعمل امه...ليس لان الرفض طبيعى وتلقائى ونزعة من نزعات الرجولة...ولكنه رفض اثير بداخله بسبب تعليقات ابن عمه وبعض الأصدقاء من آن لآخر...تعليقات تشكك فى رجولته...فالرجل لا يقبل ان تتعرى امه وترقص كل ليلة...وان كانت نجمة مشهورة...وان كانت ثرية بفُحش...وان كان معارفها اهم رجال وسيدات المجتمع...

لم يكن رفضه طبيعياً من داخله ولم يشعر بالغيرة التى يصفها الآخرون...فقد ربته امه على احترام عملها وتقدير فنها...بل علمته الكثير عن فنون الباليه والموسيقى والرقص الشرقى...وطالما شعر بالفخر عند حضور المهرجانات العالمية التى كرمتها...

لم يكن زمانه يعيب الرقص...لم يكن كفيلم "خللى بالك من زوزو" الذى وجده غير منطقى وتافه...الزمن الذى رفض المجتمع فيه بنت الراقصة واستهجنها زملائها بالجامعة...زمنه مختلف...بزمنه كُرمت امه وكانت ضيفة شرف مشاهير الفن والسياسة والمجتمع...بزمنه المال اجبر الجميع على احترامه...بزمنه خطب ابنة وزير الإسكان وحضر حفله ابن رئيس الجمهورية...

رمى ما تبقى من لفافة التبغ بغضب بالهواء...وتتبعها بنظره حتى استقرت على الارض اسفل بنايته...كان غاضباً من غضبه...

- هو رامى ابن عمى المعقد هو السبب...طول عمره متخلف ومش فاهم ومزودها...عامل فيها شيخ والدنيا عنده جنه ونار...مش فاهم ان العمل عباده...ومش فاهم ان امى بتتعب جداً...سفر وسهر وتمرينات واستحمال بواخات ناس كتير دنيئة...انا مش فاهمُه...هو حاقد عليا اكيد...بوز فقر...

اغلق باب الشرفة ورائه ونام على فراشه...وضع سماعة مشغل الموسيقى بأذنه واستسلم لموسيقى فريق كوين...سرح مع الموسيقى قليلا واستدار ليجد صورة امه ببدلة رقص مرصعة بكل ما هو لامع وزاهى...ابتسم اعجاباً بجمال وجهها واناقة بدلتها التى كشفت عن اجمل ساقين رآهما بحياته...

" يا ماجد لحم امك ده لحمك...انت ازاى مش حاسس بنار ان كل العالم ده بيتفرج على جسمها حتة حتة؟؟ انت ازاى قابل...يا بنى هيا روحها فيك وحتسمعلك...انت زى اخويا...يا ماجد انتو مش ناقصكوا فلوس...اتقى ربنا وخليك راجل!!"

- كلامه دبش...هو فاكرنى ايه...دى امى اشرف من الشرف...عمرى ما شفتها مع واحد ولا مرة باتت برة الا لو فى سفرية...امى اشرف من ستات كتير محتشمات او محجبات بيعكْوا...احيانا كمان وهما متجوزين...ده فن...الأهبل المتخلف ده وجعلى دماغى.

" يا ماجد ...حس يا بنى آدم...خلى الناس بدل ما بتقول ابن الرقاصة تقول ده فلان الفلانى الراجل المحترم...اللى بشوفك بيشوف شاب شيك ومتعلم ومهذب...بيقولوا ده ابن ناس...بعد ما بيعرفوا انك ابنها تفتكر بيفضلوا يقولوا كده ولا بيقولوا ابن الرقاصة؟!! انا والله ما قصدى اجرحك بس بجد قلبى عليك وعليها"

- ابن ال******...كلامه كان بيحرقنى...مخه قديم وافكاره اقدم...ده حمايا بيقولها يا هانم...ويوم ما ساعدته فى فض الخلاف اللى كان بينه وبين عديل الريس على حتة الأرض بتاعة الساحل عملها حفلة عزم فيها كبار البلد...قال ربنا غضبان علينا...هو الحمار ده نسى الخير اللى بتعمله كل سنة وموائد رمضان ودور الأيتام...دى حجت اربع مرات...

بالكاد سمع صوت هاتفه النقال...التقته بسرعة ليرد على امه...
- ايوة يا مام
- بقولك ايه...عندى فرح فى البحرين...فى بيت الأمير...اخليهم يحجزوا لك معايا ولا مش عايز تيجى؟
- (صرخ) لا انا حاروح ولا انتى حتروحى....مفيش رقص تانى...لو رقصتى تانى مش حتشوفى وشى تانى...سمعانى


رمى الهاتف من يده وانهار بكاءً...لم ينتظر ليسمع ردها وصرخاتها وشتائمها...ولن ينتظر...ولن يواجهها وينتظر عودتها...ولن يناقشها...سيختفى...

الى ان يصبح...ابن ناس...