الجمعة، يناير 08، 2010

ابن ناس

- ماما...احنا عندنا فلوس كتير انا عارف...بس اد ايه؟
- ممم...اشمعنا؟
- قوليلى بس...عندنا فلوس اد ايه؟؟
- كتير والحمد لله...نفسك فى ايه قوللى
- منفسيش فى حاجة...بليز ردى عليا...مليون؟؟ عشرة مليون؟؟ اكتر؟؟ اد ايه؟
- كتير يا حبيبى كتير متقلقش...عارفة انك اتخرجت وعايز تعمل مشروع وعاملة حسابى...كنت لسه بكلم سامية برهان فى الموضوع ده...اصلك اكيد محتاج حد خبرة معاك لغاية ما تفهم الدنيا فيها ايه...
- انا فعلا مش عايز حاجة ومش بسأل عشانى اصلاً...طيب قوليلى...اللى معانا يعيشنا كويس اد ايه لو بطلتى شغل؟؟
- آآآآه....شغلى...اوكى كده فهمت...مش كنت تقول!!!
- انا مش قصدى اقول حاجة...(متردداً ومتقهقراً عن مواجهة خاف ان تجرح امه)
- احسن برضه...باى...انا خارجة.

ذهب الى غرفته واشعل لفافة تبغ وإتكأً على سور شرفته التى تطل على نيل القاهرة الساحر...ارهقه الهاجس الذى بات يسيطر عليه اكثر فى الآونة الأخيرة...رفضه لعمل امه...ليس لان الرفض طبيعى وتلقائى ونزعة من نزعات الرجولة...ولكنه رفض اثير بداخله بسبب تعليقات ابن عمه وبعض الأصدقاء من آن لآخر...تعليقات تشكك فى رجولته...فالرجل لا يقبل ان تتعرى امه وترقص كل ليلة...وان كانت نجمة مشهورة...وان كانت ثرية بفُحش...وان كان معارفها اهم رجال وسيدات المجتمع...

لم يكن رفضه طبيعياً من داخله ولم يشعر بالغيرة التى يصفها الآخرون...فقد ربته امه على احترام عملها وتقدير فنها...بل علمته الكثير عن فنون الباليه والموسيقى والرقص الشرقى...وطالما شعر بالفخر عند حضور المهرجانات العالمية التى كرمتها...

لم يكن زمانه يعيب الرقص...لم يكن كفيلم "خللى بالك من زوزو" الذى وجده غير منطقى وتافه...الزمن الذى رفض المجتمع فيه بنت الراقصة واستهجنها زملائها بالجامعة...زمنه مختلف...بزمنه كُرمت امه وكانت ضيفة شرف مشاهير الفن والسياسة والمجتمع...بزمنه المال اجبر الجميع على احترامه...بزمنه خطب ابنة وزير الإسكان وحضر حفله ابن رئيس الجمهورية...

رمى ما تبقى من لفافة التبغ بغضب بالهواء...وتتبعها بنظره حتى استقرت على الارض اسفل بنايته...كان غاضباً من غضبه...

- هو رامى ابن عمى المعقد هو السبب...طول عمره متخلف ومش فاهم ومزودها...عامل فيها شيخ والدنيا عنده جنه ونار...مش فاهم ان العمل عباده...ومش فاهم ان امى بتتعب جداً...سفر وسهر وتمرينات واستحمال بواخات ناس كتير دنيئة...انا مش فاهمُه...هو حاقد عليا اكيد...بوز فقر...

اغلق باب الشرفة ورائه ونام على فراشه...وضع سماعة مشغل الموسيقى بأذنه واستسلم لموسيقى فريق كوين...سرح مع الموسيقى قليلا واستدار ليجد صورة امه ببدلة رقص مرصعة بكل ما هو لامع وزاهى...ابتسم اعجاباً بجمال وجهها واناقة بدلتها التى كشفت عن اجمل ساقين رآهما بحياته...

" يا ماجد لحم امك ده لحمك...انت ازاى مش حاسس بنار ان كل العالم ده بيتفرج على جسمها حتة حتة؟؟ انت ازاى قابل...يا بنى هيا روحها فيك وحتسمعلك...انت زى اخويا...يا ماجد انتو مش ناقصكوا فلوس...اتقى ربنا وخليك راجل!!"

- كلامه دبش...هو فاكرنى ايه...دى امى اشرف من الشرف...عمرى ما شفتها مع واحد ولا مرة باتت برة الا لو فى سفرية...امى اشرف من ستات كتير محتشمات او محجبات بيعكْوا...احيانا كمان وهما متجوزين...ده فن...الأهبل المتخلف ده وجعلى دماغى.

" يا ماجد ...حس يا بنى آدم...خلى الناس بدل ما بتقول ابن الرقاصة تقول ده فلان الفلانى الراجل المحترم...اللى بشوفك بيشوف شاب شيك ومتعلم ومهذب...بيقولوا ده ابن ناس...بعد ما بيعرفوا انك ابنها تفتكر بيفضلوا يقولوا كده ولا بيقولوا ابن الرقاصة؟!! انا والله ما قصدى اجرحك بس بجد قلبى عليك وعليها"

- ابن ال******...كلامه كان بيحرقنى...مخه قديم وافكاره اقدم...ده حمايا بيقولها يا هانم...ويوم ما ساعدته فى فض الخلاف اللى كان بينه وبين عديل الريس على حتة الأرض بتاعة الساحل عملها حفلة عزم فيها كبار البلد...قال ربنا غضبان علينا...هو الحمار ده نسى الخير اللى بتعمله كل سنة وموائد رمضان ودور الأيتام...دى حجت اربع مرات...

بالكاد سمع صوت هاتفه النقال...التقته بسرعة ليرد على امه...
- ايوة يا مام
- بقولك ايه...عندى فرح فى البحرين...فى بيت الأمير...اخليهم يحجزوا لك معايا ولا مش عايز تيجى؟
- (صرخ) لا انا حاروح ولا انتى حتروحى....مفيش رقص تانى...لو رقصتى تانى مش حتشوفى وشى تانى...سمعانى


رمى الهاتف من يده وانهار بكاءً...لم ينتظر ليسمع ردها وصرخاتها وشتائمها...ولن ينتظر...ولن يواجهها وينتظر عودتها...ولن يناقشها...سيختفى...

الى ان يصبح...ابن ناس...