السبت، مايو 15، 2010

المرأةُ الثُريا

هى المرأةُ الثُريا...
هى تختال بشعر كبير توج رأسها...هى تتمايل بقدٍ صغير...بساق رفيع...بكعب طويل...بوسطٍ دقيق...بأصابع رشيقة...وأهدابٍ مصفوفة وممشطةِ بسواد ثقيل...وحاجبٍ مدقوقٍ موشوم...وشفاهٍ مرسوم حمرته قاتمة...ووجنةٍ بارزةٍ لامعة...وسنٍ ذا بريق مائل إلى العاج...
وأظافر تناجى حمرة شفتيها...ورداء حريرى ملتف لفاً ومنساب كماءٍ هادر على كتفيها...
هى تصفق تصفقياً خافتاً يكاد يلمس كفها فيه أخيه بالأعراس...
هى التى تصفق بخفوت...ولا ترقص!
هى التى ترمق بنعومة مختبئة بلا مبالاة ولا تنظر!
هى التى تبتسم ولا تضحك!
هى التى لا تعطى ولا تأخذ!
هى تعلق بأذنيها ماساً...وبصدرها ماساً وبمعصمها معدن نفيس يعانق ماساً وبأصابعها دوائر تلف ماساً...
هى كل ما بها لامع...صمتها لامع...غموضها لامع...
هى تشُدُ اليها ذكوراً وتُخيف إناثاً...
هى تشُدُ حتى الهُيام وتدفع حتى الغرام...
هى لا يعلمها أحد ويعرفها كُلُ الناس...
هى تُخلف وراءها سرباً من رحيق عطر يغلف الأجواء...
هى ذات فاه منطبق إلا قليلاً...وفاه منفرج كثيراً كثيراً...وفاه يكاد أن يقول ولا يفشى سره أبداً وأفواه تناديها ولا تلبى نداءهم ألا لمماً...
هى المرأة التى تآخى النجوم أرضاً وسماءً...
هى التى تداعب خيالهم مساءً وصباحاً...
هى المرأة الوهم...التى إن تمنت تبتغى طبخاً وصراخ عيال...
هى المرأة التى تصبو الى جلباب أو عُرى يلاصق قلباً واحداً كفر بغيرها...
هى ليست حقيقية بل موجودة...لن تعيش بل فقط تحيا...
هى المرأة التى لم يسكن رحمها نبضا ولم تُسَكِّن نبضا...
هى التى يسرقها الكثيرون لخيالهم...
هى التى تسرق كثيرون لا يرتقون لخيالها...
هى أحبت...فسال كحلها من لهب موقد أعد لحبيبها حناناً...
هى أحبت...فوجدت كنفها عند قدميه...
هى أحبت؟؟
قد...
يمكن...
يجوز...
هى تبجل كحلها كى لا يسيل...
هى إعتزلت الأقدام وسكنت القصور...
هى المرأة الثُريا...ذات الماس والحمرة والرداء الحريرى
هى المرأة الثُريا...ذات يسار به مقعدٍ فارغ...أبدا.
وعين لامعة لن تعرف بكاءً...أبدا.

الأربعاء، مايو 05، 2010

حبة قبل النوم بسنة

كانت علبة صغيرة خضراء ، تناولتها بأمل وبحث عن راحة وقتية...أخذت إحدى الحبات ونظرت الى الساعة...الحادية عشر والنصف مساءً...تمنت لو نامت بعد منتصف الليل بساعة...نموذجياً كان التوقيت...تمنت لو تنام...ليتوقف ذهنها عن العمل قليلاً...ويرتاح عن جلد ذاتها قليلاً...فَجَلَّ ما تمنته هو الراحة لبعض الوقت...
مرت ساعة وهى تشاهد تلفازاً لم تفقه مما فيه شيئاً...فكان ذهنها يصور لها مشاهداً أخرى تعرفها تماماً....مشاهد تجمعها به وهما يتعانقان بشوق بعد عودتها من العمل ومشاهد وهى تستبدل ثياب العمل بأخرى تمكنها من تنظيف بيته...مشاهد قريبة ليداها اللتان لم تعرفا التنظيف وهما ممسكتان بدلو الماء ويمسحان أرض بيته...حباً فيه...رعاية له...وكان ذهنها يصور لها مشاهداً أخرى عرفتها مؤخراً...مشاهد لم ترها ولكنها أدمتها...مشاهد البيت النظيف الذى شهد على يديها بريقاً وهو يستقبل رفيقاته...مشاهد تقرب منها أغطية سريرها الجميل الذى ظنت أنها تبتاعه لزواج سيدوم عمراً ويشهد عشقهما...مشاهد أغطية غرقت بعرق مومسات أبدلهم بها لساعات قليلة غابت فيها عنه...
مرت الساعة وهيئت للحبة مجالاً كى تعمل...فتوجهت الى سرير صغير لم يعرف الا جسدها هى فقط...سرير غمرته رائحة عطرها...وبقايا عطره...عطره وعطرها فقط...
إستلقت على جانبها الأيسر فى مواجهة باب الغرفة كعادتها...وإفتقدت يده التى طالما أسندها الى ظهرها لتشعر به حتى وهى نائمة...فإنتفضت من الألم...حيث كان للجانب الأيسر نصيب الأسد من كدمات سببتها قبضاته فتورمت الدماغ والذراع والساق وجرحت...
تقلبت ونامت على جانبها الأيمن الذى لم يؤلمها به دماغها بل كدمات أبسط محتملة بذراعها وساقها...وإفتقدت إحتضانها لظهره ونومهما الهادىء...وفكرت...هل يعقل أن تفتقده؟...بعد كل ما فعله...وثارت برأسها التساؤلات ثورة شعب مقهور من طغاته...هل كان طاغيتها؟
هل يشعر؟ هل يندم؟ أهو الآن يضاجع إحداهن؟ أهو الآن يبكي حنانها؟ هل يفتقد أطفالهما؟ هل تقول له بمرضهما وبكائهما المستمر؟ هل تنفث عن غضبها؟ هل تؤذيه؟ هل تقتله؟ هل ما زالت تحبه؟ هل بالفعل تكرهه؟ هل تعرف غيره؟ هل ستتزوج ثانية؟ ماذا كان يشعر وهو يخونها؟ هل يندم بعد كل كذب؟ هل هو حقاً مريض؟ هل يستحق؟ كيف يحب جسد نقى ثم يمرغ نفسه بأجساد مدنسة؟ كيف أحبها وقتلها؟ كيف كرهها هكذا؟ لماذا لم يتركها؟ لماذا فضل عليها جميع المعاصى؟
لماذا فرط بعائلة لم تحب غيره؟ لماذا إستهان بملائكة صغار رسموا له كلمات الحب بخطهم المتعرج الملون؟ هل هو شيطان من الإنس؟ هل هو الطفل الذى أحبته أكثر من نفسها؟
غضبت...ثارت أكثر وتركت سريرها وأشعلت سيجارة وكأنها تشعل قلبه حنقاً وغضباً...توجهت الى النافذة...وتسائلت لماذا تحقق فى السيارات المارة؟ هل تتمنى أن يكون هو؟ هل تخاف أن يكون هو المار؟
نظرت الى الساعة فوجدتها الثانية...تأففت...وتسائلت لما لم تعمل الحبة؟ فقد مرت ساعتان وأكثر...بل تشعر بنفسها أكثر إنتباهاً...أكثر إنتباهاً للتفاصيل...وتذكرت يوم كان مريض وأسرعت إليه ووقفت على الباب طويلاً وهو لا يفتح وحين نزلت بعض الطوابق ناداها...هل كانت إحداهن عنده وهرّبها ثم ناداها؟؟ الهذا لم يشاركها الفراش يومها؟ وتذكرت حين أقنعها انها سببت له علامة حب بعنقه رغم انها كانت متأكدة أنها لم تفعلها...فكرت: كيف إقتنعت؟؟ غبية!!
لفحها هواء بارد جداً رغم انها بكامل ملابسها...فهو يغضب جداً إذا فتحت النافذة مرتدية شيئاً مكشوفاً وإن كان فى ظلام الليل الدامس...
حرق حلقها الدخان فذهبت الى المطبخ لشرب بعض الماء واهتمت بقفل نوافذه فى الظلام وقبل إضاءته...فهو يغضب جداً إذا تركت نافذة المطبخ مفتوحة وهى فيه...
عادت الى النافذة...وغضبت جداً...إبتلعت غصة بكاء حار وغضبت جداً...على كل هذا الحب الذى أحبته له...على عينيه التى إحتارت فى لونهما...على جسده الذى كان أول إهتمامها أن ترعاه...على كلماته وضحكاته التى تزامنت مع ضحكات لم تعرفها قبله...على جلساتهما وقهوتهما وراحتهما بجانب بعض وإن ظلا صامتين...على وثاق جمعهما به الله برحمته ليجعل حبهما شريفاً نقياً بلا أدنى خطيئة...
غضبت...من نفسها وعلى نفسها...غضبت منه...تمنت له الضر...أن يذوق عذابها ولا يعرف راحة أبداً...وتذكرت لحظة غاب فيها عن روحه الطيبة وأبرحها ضرباً...تذكرت كيف دفعته عنها مراراً وبعنف...تذكرت كم كرهته وقتها وكرهت نفسها...وتذكرت كيف لم تطاوعها يديها للإمساك بذاك الحجر...وتذكرت كيف دافعت عنه حين هاجمه الناس...
واجهت نفسها بحقيقة مشاعرها الآن...فالأمر لم يعد يخصه هو فقط...بل يخص المعنى الذى بداخلها...فقد كرهت الحب...كرهت الحب ذاته...
وتذكرت شفتيه...لم تعرف يوماً أن للشفاه مذاق إلا معه...وتذكرت قبلات عدة بمواقف عدة...وعرفت أن القبلة التى لن تنساها يوماً هى التى طبعتها على خده محاولة تهدئه وبعده عن من كادوا أن يؤذوه...برغم جراحها وآلام جسدها وجدت بداخلها قبلة أعطتها له..فهدأت ثورته قليلاً وتوقف عن السباب والضرب...
تسائلت ثانية أين هو...لماذا باعها بلا مقابل...لماذا تخلى عن حبهما من أجل نَجَس ودقائق ثوانيها شهوة...ولماذا أحبته...لماذا صبرت حتى خذلها لدرجة أن صارت حطاماً...
شعرت وكأن بركان يتفجر بداخلها...غضب...ألم...ومزيد من الغضب...
لأنها علمت أن الخيانة لم تكن منه...بل كانت من نفسها!