الأحد، يونيو 20، 2010

لا عُبور للمُشاه!!

كنت أستخدم بعض الحواس وليس كلها...سمعاً وبصرا وحسا ً فقط...لم أتعود النطق...الإعترض أوالحوار...حتى السؤال لم يكن أبداً مقبولاً...

كانت شرفتى تكاد تطال الشاطىء وكنت أنام كل يوم على صوت تلاطم الأمواج وعلى صوت همسات تمنت نومى السريع...وكنت أقاوم النوم وأكرهه...لكن...كان جسدى يستسلم لحركة الموج التى أنهكته صباحاً...أو كان يجبرنى الله على النوم حتى لا أسمع ما بعد الهمسات...لكنى قبل أن أذهب الى سُباتى كنت أودع الوعى بدمعتين حملتا ما لم أنطقه...

وكنت أصحو كل يوم على صوت مرح أولاد متجهين الى الشاطىء...على وسطهم عوامات ملونة وأدلية لعبٍ بأيديهم أو... على صوت سيارة إسعاف تنطلق مسرعة لإنقاذ أحد عابرى الكورنيش الذى لم يبلغ الجانب الآخر من الطريق فقط لأن مَرِحٌ آخر نسى ان للشارع مارة من بنى جنسه قد يقتلهم برصاصته المُدَويه ذات طراز مرسيدس...

كانت الأصوات تشكل إدراكى الصغير...تعرفنى بحياة صاخبة حتى فى هدوءها...وباتت كل ذكرياتى إما أصوات أو روائح ، فلا زلت أذكر رائحة الموج فى الشتاء وقد تناثر على الطريق...وأذكر رائحة مِنن...صديقتى التى كانت تصيف بذات البناية قادمة من اليمن...كانت رائحتها مزيج من زيت وبخور وعطر...وملابسها مزيج من أناقة وغرابة...حتى بيتها...كان هادىء كالليل ورائحته مثل السلحفاة المائية التى كانت أمها تربيها...كانت أسرة مِنن كبيرة...إخوة كُثُر...وهدوء أكثر...كانت شريرة...تحدق بى بعينين صغيرتين وتقذفنى بسخرية لاذعة...كانت تسخر من ملابسى...شكلى...وأمى...وغياب أبى...كنت أكرهها...ولا أعرف ما الذى أبقاها صديقتى لمدة عامين...كانت تزدرينى وكنت أهابها...كانت تجرحنى وكنت أقضى معظم أمسياتى معها ،
ومع نانا...صديقة أخرى...جميلة جداً...أنيقة جداً بلا غرابة...ذات بيت صخب...به فيديو...وأخوة صغار...وأخت شقراء كعرائس باربى...لم تكن تشعر بى تقريباً...كان كلامها المزهو بأموال أبيها يعبُرنى ويتوجه للجميع...للعالم بأكمله...كان ببيتها رائحة طعام...دائماً رائحة طعام....لم أكن أحبها...كنت مبهورة بحياتها..أكاد أغار منها...فهى لم تكن ترانى...
لم أقترب إلا من فتاة لا أذكر إسمها...كانت بحال متواضع فى كل شىء...كان بيتها جارنا ولكن بعيد عن البحر...صغير...به نباتات كثيرة جداً...طبيعية وصناعية...إهتمت بها أمها محاولة إذابة فرق إجتماعى أو بالأحرى مادى بالتزيين المبالغ فيه للأشياء...كانت أمها فجة لكن كلها طيبة وكرم...كانت تقضى نهارها بالمطبخ تجهز مؤن وخزين لبطون الأولاد...تقشر أطنان من الثوم وتحفظه بالفريزر...تعصر أقفاص من البرتقال وتصنع المربى من الجزر وتنقى أرز لا حصر له ثم تقسمه بأكياس...وكانت بالغة النظافة...وكان أبا صديقتى سمساراً يزدهرعمله بالصيف ويترقب الرزق شتاءً...كان أخواتها كباراً...أخوين بالبحرية وأخت جميلة كنجمات السينما...كانت تمتلك سيارة وتعمل بائعة...كان شعرها حريرى...رائحته شامبو...وأنفها دقيق...وقدها جميل...كان إسمها ميرفت...وكانت صديقتى تنطق الفاء فى إسم أختها فاءً واضحة فجة...

بالصيف كنا نتقابل أحياناً صباحاً للسباحة بالشاطىء القريب...وكنا نتلاقى مساءً على الكورنيش نراقب المارة وننتقد ملابس السيدات أو نشترى الترمس والذرة ويسرح خيالنا بأحاديث بعضها حقيقى...

كنت صغيرة بإدراك كبير ومشاعر مجروحة مما لا أفهمه لكنى أعرفه...كنت أقضى معظم يومى خارج المنزل...وكنت وحيدة...لم أعرف فى الحياة أخوة أو أقارب بمثل سنى...كنت لا أخاف مرور الطريق...فكنت أحب الكورنيش والنظر الى البحر...كنت أسبح كثيراً وأخاف البحر ليلاً فأقف أمامه بالساعات وأشعر برهبة كبيرة...خوف من ظلمته وصوته الذى يغطى على أصواتنا وضحكاتنا المفتعلة...لم أعرف للطفولة "براءة" كما يقولون...عرفتها صمتاً ملوناً برائحة الموج وشواء الذرة وعطور المارة...

وكانت إحدى الأمسيات...وكنا على الكورنيش...وإزدرتنى مِنن لأننى قد إرتديت بلوزة بلا أكمام وتجاوزتنى نانا وهى تحكى عن رحلة لندن وصمتت معى الصديقة التى لا أذكر إسمها...وملأ الهواء رائحة قذرة وإستدرنا جميعاً لنجد رجلا ذو جدائل من شعر وطين...لونه أسود من وسخ...يرتدى جاكيت...وفقط جاكيت...يصيب المارة بالذعر على الرغم من أنه لم يقترب من أياً منهم...فقط كان يمشى يحدث نفسه...نظرت تجاه شرفتى ورأيت أمى تشاهد وتشير لى بأن أذهب إليها...عبرت جانب واحد من الطريق ورمقتها بنظرة أخرى فوجدت ظلاً آخر فهممت أن أعبر الجانب الآخر حتى أسرعت سيارة...ترددت للحظة فخارت قوى ساقاى وسقطت أرضاً بوسط الطريق...سمعت صوت السيارة تتوقف وملأ أنفى رائحة عادم سيارة أخرى...أحدهم ساعدنى على الوقوف...كانت ساقاى بخدر لكنهما حملانى...عبرت الطريق...ودخلت المنزل...وبعد دقائق أُمرت أن أبقى بغرفتى...ولم يكن لى إلا شرفتى...رأيتهم ما زالوا يتحدثون...وقد رمقتنى مِنن بإستهزاء فهى تكاد تعرف ما يدور بمنزلى...وتجاوزت نانا رحيلى وإستمرت فى سرد مغامراتها ...ربما مغامرة الهند هذه المرة...وظلت صديقتى التى لا أذكر إسمها تنظر بإتجاهى مبتسمة إبتسامة طيبة...حاولت أن أبدو لا مبالية...وكأنى أصنع شيئاً هاماً...فأتيت بمجلة ميكى...ثم رقصت قليلاً...ثم دفعت الأرض بقدمى قليلاً حتى يهدهدنى الكُرسى الهزاز...مر الوقت...وعاد معظم الناس الى بيوتهم...وخلا الكورنيش من المارة الا فيما ندر...أصبح صوت الموج أكثر وضوحاً...ورائحة البحر أكثر نفاذاً...لم يكسر اللوحة الليلية الا مرور سيارة مسرعة أخافتنى...وحمدت الله أنها لم تصدم أحداً...نظرت عن يسارى...على بناية على ناصية الكورنيش بها جراج بابه بإتجاهى...رأيت السيارة الزرقاء بداخله مثل كل ليلة...ورأيت العامل الذى ينظفها مثل كل ليلة...لكن...كان ينظر بإتجاهى نظرة ثابته بها ما ظننته مُريب وخاطىْ...كان نصفه مختفٍ وراء باب السيارة يكاد يخفيه الظلام...ووجهه ظاهر ينيره ضوء الشارع...أصابنى الهلع لا أعرف من ماذا...وقررت أن أستسلم للنوم...على صوت موج البحر..بعد دمعتين لم يحتاجا لهمس كى يعلنا إعتراضى ويبللا وسادتى...

وإستيقظت صباحاً على صوت إرتطام وصدام سيارات...جريت للشرفة فرأيت أحدهما ملقىً بجانب الرصيف...تحت رأسه دماء كثيرة غطت بذلة البحارة التى إرتداها...تسارعت دقات قلبى وقد عرفته..هو أحد أخوة صديقتى التى لا أذكر إسمها...إسمه محمود...أسمر فارع الطول قوى البُنية ذو ملامح غليظه كانت تخيفنى...
بكيت...لا أذكر لماذا بكيت...هل لأننى خفت الدماء...هل لأنه محمود...هل من أجل صديقتى...أم أننى وجدتها حُجة كى أبكى بصوت طوال اليوم وأمام أمى دون أن أُسأل عن السبب الذى لن أستطيع أبداً معرفته...لن أستطيع أبداً نطقه...

ذهبت الى بيت صديقتى..لأجد بكاء صامت من أسرة كانت ضاحكة صاخبة...ميرفت وقد غطت شعرها الحريرى بإيشارب أسود...الأم الفجة وقد غَرُبَت عيناها حزناً...صديقتى تنتحب بلا توقف على "أبيه محمود"...
لم أستطع البكاء معهم...فقط...تسائلت أين نانا و مِنن...لم أجد إجابة إلا ظل ضحكة شاحبة ساخرة من سؤالى...جلست صامتة مثلهم...أستمع الى قرآن...أحاول فك شفرات همس نساء جلسن فى حزن...فكرت...وفكرت ...ثم تركتهم وإتجهت الى البحر...عبرت الطريق ومشيت لدقائق...وقررت أن أعود لصديقتى...هممت أن أعبر فتسمرت قدماى...أصابنى رعب...كان الطريق هادىء فارغ...عُدت الى البحر...صوته طمأننى...رائحته أراحتنى...منظر الصيادين وسنانيرهم أعادنى الى ألفة محببه...مر الوقت...غابت الشمس وأيقنت أننى يجب أن أعبر ويجب أن أعود...إستجمعت شجاعتى وجريت بكل قوتى عابرة الطريق دون أن أنظر...جريت الى غرفتى...وإلتقطت أنفاسى وأنا بالشرفة...وشعرت بالأمان...
وأقسمت ألا أعبر الطريق ثانية...لم أودع البحر...ولا صوت الموج ولا رائحته...فقد ظلوا أصدقائى لكن من شرفتى...
كنت صغيرة...
لم أكن أعرف أننى سأظل أرفع رايتى حتى وقد صرت على أعتاب الخمسين...
أننى سأصاحب الأشياء عن بعد..أننى سأفضل الأمان على القرب...
وسأفضل أن أكون وحدى على أن أكون وحيدة...
وأننى سأفضل عدم النوم على نوم عنوانه دموع...
ورفعت رايتى دائماً...راية كنت أتمنى إعطائها لصديقتى أمل -التى لم أكن أذكر إسمها- قبل رحيلى عن تلك البلدة...
راية : لا عبور للمشاه!!

هناك 4 تعليقات:

غير معرف يقول...

رائعة وحقيقية
سلم خيالك!!

Mohamed ElGohary يقول...

خلتيني أعيش القصة قوي قوي :)

Rasha* يقول...

غير معرف،
الله يسلمك...شكراً للقراءة والتعليق.


جوهرى،
:)
رافع معنوياتى دايماً
شكراً لقرائتك دايماً وللتعليق

غير معرف يقول...

aih elgamal da , really nice , i'll meet morcie tonight to ask him about publishing cost , go girl go .