الأربعاء، يوليو 28، 2010

سرقة عُمر منتظم



أفخر بأن حياتى منتظمة...كعقارب الساعة...كدقات قلب شابة يافعة...كضربات أجنحة سنونو...كتنفس زوجتى وهى نائمة بعد عناء يوم طويل.

لم يفلح كدحى وغوغائية الناس من حولى فى تغيير إنتظامى...لم تنجح فوضى بلدى فى إثنائى عن مهامى...

لا ضوضاء حارتى التى تكاد تنهار من أحمال أناس تكدسوا فيها ومنها ، ولا زحام الأتوبيسات العامة التى حملتنى من بيتى لتلدنى بمحل عملى يومياً ذهاباً وإياباً ، ولا بُصاق مديرى المتطاير دائماً ، ولا ثرثرة زميلتى هاوية الكلمات المتقاطعة والتى تصر على مشاركتنا لعبتها بصوت أعلى من صوت البوق يوم ينادى للحشر....لم يفلح هذا وغيره كثيراً فى تغيير مسارى...

فقد كان هدفى واضحاً...جلياً...يملأ عيناى وقلبى وفكرى... فلا أحسب إلا به...ولا أٌقيم إلا له...ولا أبنى إلا عليه...

وهدفى كان هدف كل موظف محترم إستحق لقب "أستاذ".


فمنذ حصولى على شهادة البكالوريا كنت قد نويت أن ألتزم بالوظيفة التى وعدنى بها عمى إمام...وحقاً...ماذا يريد المرء سوى بيت يؤويه ووظيفة يعتاش منها أثناء شبابه...حتى إذا بلغ الستين إستحق الراحة والمعاش بلا عمل...التأمينات تكفل ذلك...وكنت أحسب كل شهر بعد أن توظفت كم يذهب من راتبى الى التأمينات وكم أقبضه بيدى...وكنت أحسب كم سيبلغ معاشى...ومع مرور السنين كم كنت أفرح حين يتنامى الى علمى قرار جديد بزيادة المعاشات وخلافه...وأٌُمنى نفسى وأصبر نفسى وكأنى أرى أمامى فراشاً وثيراً حريرياً ينتظرنى لينفض عنى عذاب الطريق و تمنيت ...وحسبت قيمة المعاش...


كل شىء فى حياتى كان يدور حول أمنية الراحة بعد العناء...حين تكافئنى الدولة عن عملى وعمرى ودفعى للتأمينات...


وكما كان حلم المعاش يراودنى دائماً...كان يراودنى فى صحوى...وكنت حين أحدث زملائى عنه يسخرون منى...


- يا أستاذ الله يباركلك فوق من الوهم ده...معاش ايه بس فى الزمن الأغبر ده


- اما إنت غريب يا اخى...امال بتتوظف ليه...بتدفع تامينات ليه...وبعدين يا ابنى دى مكافأة العمر...تكبر وترتاح من المواصلات والشغل وخلافه...يعنى اللى بتزرعه وانت شاب حتحصده وانت كبير...


- قصد اللى بكسبه وانا شاب بتنهبه الحكومة وانا كبير


- تنهبه ايه بس...لا اله الا الله...يعنى ايه تنهبه


- يا أستاذى العزيز...تقدر تقولى حضرتك بتدفع كام شهرى...


- بدفع ميتين جنيه والشركة بتدفعلى ربعمية


- جميل...يعنى فى السنة سبعتلاف ومتين جنيه...فى الاربعين سنة اللى حتكون اشتغلتهم على ما توصل سن المعاش يبقى حوالى اكتر من ربع مليون جنيه..لو كنت حوشتهم وحطتهم فى بنك كانوا جابولك الفين جنيه شهرى...عارف سعادتك معاشك يعمل كام؟؟ يعمله ربعميت جنيه بالكتير ولمدة كام سنة؟؟ ربنا يديك طولة العمر حتعيش يعنى كام سنة بعد سن المعاش...يا أستاذ وحد الله...دى سرقة علنى ...سرقة قانونية مية فى المية هاهاهاها


- أعوذ بالله منك ومن أمثالك...سودتها فى وشى الله يسامحك...يا سيدى أنا عندى عيال...الله يكرمهم هما ويخدوا المعاش من بعدى


- ربنا يخليهوملك يا سيدى


وتتوالى الأيام...أصحوا فى كل منها على صوت بائع متجولٍ ما ينادى على بضاعته ليجلجل صوته بأرجاء حارتنا الضيقة...ثم أحتسى الشاى مع أم العيال وأخرج فى تمام الثامنة والربع وأركب أتوبيساً لطالما أذهلنى دقة ميعاده...أتوبيساً سائقه منتظم مثلى...يحملنى الى عملى فى تمام التاسعة إلا خمس دقائق..نعم...فمن حسن حظى أن يكون بيتى على بعد ربع ساعة من عملى...أيام الشباب الأولى كنت أذهب مشياً ، إلا أن ساقاى قد كلا عن حملى فآثرت الأتوبيس والشوارع المزدحمة...وأصل الى عملى وأطلب فنجانى قهوة متتاليان أكون أثناء إحتسائى لهم قد إنتهيت من قراءة الجريدة التى لا أترك فيها كلمة إلا وقرأتها...حتى صفحة الرياضة التى لا أحبها...أقرأها عسى أن أجد فيها ما أتندر عليه من أجور اللاعبين أو شجار إدارات الأندية...وأبدأ عملى بالحسابات...أقترب من كراسات وأقلام وآلة حاسبة وأعيش يومى بين الأرقام التى أحبها...


فللأرقام سحر خاص...رقم يعلو بقوم...ورقم يدنو بآخرين...رقم يدلنى على مشكلة وآخر يقربنى من حلها...الأرقام واضحة وصريحة...لا تعنى إلا ما تظهر ولا تحقق الا ما تقدر عليه...الأأرقام ساحرة...حقاً ساحرة...تطمئننى وتمنينى بحياة كريمة...


وأرحل عن عملى مودعاً الأرقام لغدٍ قريب...لأستقل أتوبيساً آخر وأذهب لبيتى فأجد زوجتى تعبق حياتى برائحة شهية وأجد أولادى فأتحدث أحاديثهم وأضحك ضحكاتهم وأشاهد فقط ما يحبونه بالتلفاز...وأنام بمقعدى حتى ينتهون لننهض جميعنا كلٍ الى فراشه...


ويتكرر يومى...ويتكرر...حتى يأتى موعد الإجازة السنوية فيتغير الروتين الى روتيناً أحب وألطف على أحد المصايف التابعة لنقابة التجاريين...


ويكبر الأولاد...فيعمل الولد وتتزوج البنت...وأمرض أنا...ويتم علاجى أيضاً بمستشفى تابعة للنقابة...وأفكر : والله مش خسارة أبداً إشتراك النقابة اللى كنت بدفعه كل سنة ، اهو جه بفايدة.


وأمرض أكثر...ويزورنى زملائى...


- إيه يا أستاذ الدلع ده...إنت عجزت ولا إيه...قوم يا راجل كده انت زى الفل ماشاء الله


- ها ها ماشى يا سيدى...ربنا يكرم


- والله كنت عند الأستاذ ثروت بسوى معاش مبكر فوصانى أسلم عليك أوى أوى وبيقولك ألف سلامة


- الله يسلمه...يا بنى معاش مبكر ايه وتسوية ايه...يا بنى انت ولادك فى رقبتك سيبلهم حاجة


- يااااااه يا أستاذ انت لسه مركز فى الموضوع ده...يا سيدى العزيز ما البنت على وش جواز والولد عدى واحد وعشرين...يعنى كده كده بح...لو ماستفدتش بالمعاش اللى سرقانى الحكومة فى نصه وانا عايش...حتسرقه كله بعد موتى عشان مش حتديه لا للولد بما انه راشد ولا للبنت بما انها اتجوزت


- نعم!!!


- ايوة...مانتا عارف...!!!


- عارف...ايوة عارف...وانا بنتى اتجوزت وابنى اشتغل خلاص وعدى السن


- ربنا يديك الصحة يا أستاذ وتتمتع انت بالمعاش وترتاح...


- ايوه...بس افرض...قصدى يعنى...دى كده ...عمرى كله يبقى اتسرق


- ربنا يديك الصحة يا أستاذ وتقوملنا بألف سلامة!!