الأحد، نوفمبر 14، 2010

تَدَلى

أهوى المراقبة من بعيد...أهوى النظر ومحاولة فهم القصة وما وراء المظهر الجاف الخاص بشخص غريب...أهوى النظر بعين لا تتشتت بما يصطنعه الآخرون...ففى النهاية ، لم أكن أملك إلا النظر وإجترار الوَنَس من حكايا أفكارى.

ورأيته من شرفتى المطلة على جراج المصنع...كان يقف وقد خارت ركبتاه عن حمله بإستقامة فبدا أكبر عُمراً مما كان...

أعرفه منذ جاء شاباً طموحاً ليعمل بقسم المبيعات بالمصنع...كما أعرف كل من يعمل بالمصنع وتسمح ظروف عمله بأن يمر بالجراج الخاص بالسيارات التى يصنعونها...

لم يكن عجوزاً أبداً...ولكن وقفته التى طالت لأكثر من الساعة وهو يشاهد تحميل صناديق قطع الغيار ويشاهد العمال وهم ينظفون السيارات حتى يتم عرضها بواجهة المصنع أصابتنى بحيرة...

فقد وقف وقد خلت نظرته من أى معنى...كأنه سابحاً فى دُنيا أخرى...وقد تقوس ظهره ليظهر تدلى بطنه الى الأسفل...

كان هندامه نظيفاً ومُعتنى به...قميصه المقلم نظيفاً ومكوياً...بنطاله أنيقاً...حذاءه لامع...

لكنه كان شارداً...وليس حليقاً كعادته...

فكرت : يا ترى ما به؟؟ هل مَل العمل؟؟ هل يفكر فى مشاكل مع الزوجة؟؟ هل لديه هموم؟؟ هل يشعر بأن طموحه يهوى الى هوة لم يراها؟؟ هل ينافسه الآخرون؟؟ هل سيتم طرده من العمل؟؟

كان من الرجال اللذين ان تراهم تشعر بأنهم سيكونون ذوى شأن عظيم...كان له سحر خاص...ثقته بنفسه ومشيته الرصينة وحركات جسده غير المبالغ فيها وأناقته...

لولا تدلى بطنه لأصبح كاملاً...لولا ضعف كبتاه عن حمل جسده الطويل بإستقامه لكان كاملاً...

ربما كان مخدراً بسيجارة ملفوفة...أو كان مغيباً بفعل أقراص ملعونة...وقفز قلبى خوفاً عليه...ففكرت بأن هلاوسى مستحيلة...انه رجل عامل ، يكد ويتعب يومياً من الثامنة صباحاً وحتى قرب منتصف الليل...وفكرت : متى يعيش؟؟ متى يخرج ومتى يضاجع ومتى يلهو مع أولاده؟؟ متى يضحك ويرى فيلماً كوميدياً فتظهر أسنانه التى لم أرها من قبل؟؟
متى يحيا...أيفعل كل هذا فى يوم الإثنين؟؟ يوم الإجازة الوحيد لديه؟؟

أشفقت عليه...

مسكين هو...مسكين ان يكون به ما يجعله شارداً يشاهد العمال ينظفون والحمّالون ينظمون الصناديق وهو لم يتحرك قيد أنملة وقد شارفت الساعة الثانية على الإنتهاء...

ربما كان يود لو كان جالساً مكان صاحب المصنع...جالساً بكرسيه الوثير بمكتبه المكيف بجانب الخزينة التى تكاد تضجر بما ارتص بها من أموال...ربما تمنى أن يملك مصنعاً مشابه...لا...مصنعاً صغيراً...فهو من المؤكد قد تمكن من ادخار بعض المال...

هل يكفى ما تم إدخاره ليتمكن من امتلاك مصنع؟؟ ربما لو كان صغيراً جداً...ربما تمنى ان يكون وكيلاً لمصنع...ربما إتفق مع أحد أصدقاءه على فتح مكتب وكالة للسيارات...ربما فتحه بالفعل...ربما حقق نجاحاً...ربما خدعه صديقه وإضطر الى ترك الشراكة والعودة للعمل بالمصنع...

ربما خاب أمله...ربما لهذا تدلى...

تمنيت لو أحدثه أثناء تناول كوبين من الشاى بذات الشرفة التى أراه منها يومياً على بُعد طابقين...

أستغرب كثيراً انه احياناً ينظر الى أعلى وتلتقى أعيننا إلا إننى لا أشعر بأنه رآنى...هل من المعقول أنه لم ينتبه يوماً الى من ينظر اليه من أعلى طيلة السبع سنين  الماضية!!

هل علق أحد الزملاء يوماً على وجودى الدائم بالشرفه ونظرى إليهم؟؟
لم يلمحنى أى من العاملين طيلة السنين الماضية!!
وأنا على بُعد طابقين!!

ربما لهذا تدلت بطن الفتى الوسيم...لأنه لا ينتبه لما حوله...ربما لو أفاق ونظر وتفاعل مع محيطة لكان متماسكاً ذو ساق قوية تحمله فى أناقة وشموخ...

ربما تدلى مخه أيضاً فأصبح آلياً روتينياً يتحرك فى الإتجاه المطلوب منه دون تذوق للحياة...

فقط لو نظر الى أعلى...فقط لو رآنى حين ينظر الى أعلى...

فقط...