الخميس، يناير 13، 2011

نقوش من تراب

لم يدلف الى داخل المسجد الاثرى منذ سنين...فقد ارتبط نظره بالحارة الضيقة المؤدية الى آثار تخطف القلب...ارتبط وجودة بوقع أقدام الزائرين للمكان...وارتبط ذكاؤه بقراءة وجوههم...

ارتبطت حياته بسائحين وسائحات احتاروا من اين يبدئون والى اى مدى هم مستعدون للغوص فى آثار لا تملأ الدنيا صخباً كالآثار الفرعونية...بل آثار لا يكتشفونها الا عند تجولهم بشوارع العاصمة العتيقة...بحارات خُطط لها ان تبقى أثرية تحمل من عبق المعمار الاسلامى الكثير من السحر والعظمة والدفء...

سائحون يقفون امام مأذنة رائعة النقوش وقباب لامعة خضراء وتفاصيل تحكى بها الاحجار آلاف القصص الصامتة ، يعرف هو من عيونهم انهم مأخوذون الى عالم لا يعلمون عنه شيئاً...فيهب هو كالفارس المنقذ ويتقدم اليهم بجسم انيق ونظرة صافية ولغة سليمة ومظهر يحاكى ثقافتهم...ويذيقهم جملتان من علم وخبرة ، فيطمئنون الى ما فى صدره من دفء مشابه للمعمار الذى يحتضن ضفتى الحارة بالكثير من النقوش والأحرف العربية والتجاويف التى تكاد تأخذ الزائر من يده فى رحلة عبر الزمان...

وكان هو يعرف قيمة موهبته..يعرف ان حظه وان كان عثراً فى الطفولة فقد خدمه كثيراً عندما شبّ...

لم يكن اباه قاسياً...ولا أمه...لم يكونوا مثل كثير من آباء وأمهات أصدقاءه...ولكنهم كانوا ضعفاء...ضعف أنهكه وأفقده الصوت احياناً...

كان اباه يعمل فى احد دكاكين المنطقة والتى تخصصت فى بيع مشغولات نُحاسية...لم يكن عاملاً ماهراً...لم يشتغل بالنحاس..كان فقط يبيع للاجانب بلغة انجليزية فقيرة ولغة فرنسية افقر منها...
كان اباه متخاذلاً...يتقبل اهانات صاحب الدكان بكثير من الابتسام وكأنه على عهد بمقايضة الاهانات بكثير من الرياء...

وكان صاحبنا طفل يحب اباه...فكان يجلس على الرصيف امام الدكان...وكان يسمع ابيه وصاحب الدكان وكان يلتفت برأسه ليرى اسنان ابيه شديدة السواد وهى تتلعثم فى ريق الرياء والابتسام الكاذب...

وكان يجرى سريعاً ليقضى لاباه طلبا...وكان يركض اسرع ليقضى لصاحب الدكان مطلباً ...وكأنه يريد ان يتفوق لعل الرجل يلين ويرحم اباه قليلاً...لكن الرجل كان قد ادمن ابتسامات العامل الراضية باهاناته فكان لا يرحم عليه بل يجزل العطاء للصغير فيعطيه  بقشيشاً لم يتمنه ابداً...

وشب الولد وقد أخذ عن اباه مهارات التعامل مع الزبائن وأخذ عن ابنة الخواجة شارل صاحب دكان المشغولات الذهبية ، انجليزية سليمة وكياسة التعامل مع الاجانب وبعضاً من الحب ونشوة المُراهقة ، وأخذ عن أمه عينان سوداوتان جميلتان بهما بريق مارق ولكنه هادىء وبشرة بيضاء وشعر غزير لامع...

شب الولد وقد تعلم من رؤيا الزائرين كيف يمكن ان يرتدى أنيق الثياب بأقل تكاليف...شب وعلم ان حظه كَوَن رأس ماله من قبل ان يعمل فيه هو...

وكان ينظر ليرى الزائر التائه بهُيام سحر القاهرة الفاطمية العتيقة فيطمئنه ويدله ويحكى له عن تاريخ الأثر وكيف بُنى ومن وراءه...حكايا الجدران والنقوش والكتابات العربية التى حُفرت بالاحجار القابعة بحارات ضيقة...

وكان ينتظره فتى آخر امام كل مبنى...يتسلم منه الزائر ليكمل رحلته داخل المبنى...وكان الزائر يستسلم ليد الفتى الآخر...

وعندما ينتهى كان يجد صاحبنا منتظراً بالخارج ليعرض عليه غداءً مصرياً على انغام العود...فيفرح الزائر وكانه تلقى دعوى لأكل قطعة من الآثار ليحملها بجوفه ابدا...

وحين ينتهى اليوم قد يعود صاحبنا لذات الطريق محملاً بعملات غريبة او قد يحمل العملات بيد وفتاة شقراء لا تخجل من ساقيها باليد الأخرى..فتاة تمشى طربة لانها ستحمل في جوفها قطعة من الآثار أبدا...

كان صاحبنا يختنق من داخل المبانى...وكان يشعر ان الجدران تثقل على صدره...
ربما كان يختنق لانها العالم الوحيد الذى يعرفه...العالم الوحيد الذى يمكن له فيه ان يكون مميزاً وناجحاً...ربما لان جدران الاثار قد شهدت ضيق الطفولة وتمرد الشباب على واقع يكون فيه هو - صاحب الاثر ، خادماً لزائر الأثر...ربما لان جدرانها سميكة جداً وهائلة جداً وقابعةً بحياته مهما اختنق منها...

كان اختناقه رمزاً وكانت الجدران رمزاً وكان هو بالمكان...كنقوش من تراب حفرت لنفسها معنى على جدران آثار عظيمة...