الأحد، يونيو 26، 2011

آى لاينر

تسمع صوت صياح الديك...تفتح عينيها المتعبتان...وتقول:
- حد لسه بيربى فراخ فى الزمن ده!
تقولها يومياً...تقولها دون تفكير ودون ان تعى أنها تقولها يومياً...فهى تفعل كل شىء بذات الترتيب وذات الطريقة يومياً...

تفتح عينيها المتعبتان وتُعَلِق على صياح الديك وتُلقى بالغطاء بعيداً عن جسدها وتعتدل لتنام على ظهرها...مستلقية بلا حراك لبضع دقائق...تنظر الى سقف الغرفة حيث المروحة التى تلف مصدرة أزيزاً يفوق صوت الديك إزعاجاً...وتظل محدقة بالسقف ذو الطلاء الجيرى الازرق الباهت...والمروحة ذات الأزيز...وناموسة إمتلأت شبعاً فإستقرت بإحد أركان الحائط ونامت بعمق...

ثم تقرر أن تقوم...تجلس على جانب السرير ساندة ذراعيها على حافته إستعداداً لنهوض يبدو وكأنه إستعداد متسابق لعدوٍ سريع ينتظر تشجيع الجمهور...ثم تدفع جسدها الى الوقوف...ثم تفتح باب الغرفة الصغيرة...تتجه الى المطبخ حيث تكون أمها دائماً فى هذا الوقت من الصباح...تُقبلها فى كتفها من الخلف قبلة حلت محل "صباح الخير" منذ زمن...فقد كانت تستصعب النطق صباحاً...فقط كان الديك له نصيب من لفظها...

وتعود الى الغرفة لتأخذ مستلزمات الخروج...حقيبة صغيرة برتقالية بها أدوات الزينة...فوطة وملابس...مشط وفرشاه وسيشوراً بمستلزماته...وتتجه الى الحمام...حيث تضع ما بيديها فوق غسالة يأكل أسفلها الصدأ...وتأخذ عود ثقاب لتفتح سخاناً يعمل بالغاز...وتضع غطاء رأسٍ بلاستيكى يحمى شعرها من البلل...فقد كان ملتفاً حول رأسها ومثبتاً بالعديد من دبابيس الشعر...
وتنتهى من الحمام...وتجفف جسدها وتلبس قميصاً داخلياً...وتفتح نافذة صغيرة بأعلى الحمام حتى تطرد البخار وتبرد الجو...ثم تنظر الى وجهها بالمرآة...فترى بقاياً الكحل وقد سال حتى غطى نصف وجنتيها فتُغطى وجهها بكريماً رخيصاً ولزجاً وثقيلاً ذو رائحة نفاذة...ثم تأخذ قطعة من القطن الطبى وتمسح وجهها ليلمع من أثر الكريم وينظف من أثر الكحل السائل...ثم تغطى وجهها بطبقة من كريم الأساس تختلف كثيراً عن لون بشرتها الأسمر...ثم تنثر البودرة فوق كل وجهها حتى جفنيها وشفتاها...
ثم تمسك الآى لاينر الأسود اللامع...تمسكه بيد فنان...بيد فنان ماهر دقيق...وترسم حدوداً لعينٍ فرعونية...ليست عينها الصغيرة...ليست دائرية وليست رفيعة الجفن...ترسم وكانها ترسم لوحه لعين سيدة من خيالها...وتتقن الرسم...فتسحب الفرشاة الى أبعد حدٍ ممكن مقبول ليقابل طرف الحاجب...وتُدنى الفرشاة الى ابعد نقطة بركن العين...تجىء وتذهب مؤكدة السواد والرسم ومُظهرة للون العين...
وتُكمل الرسم بباقى الوجه بلا إهتمام فكأنما كانت العين هى الشخصية الرئيسية لدور مسرحى اوبرالىٍ تلعبه...
وتنزع غطاء الرأس...وتنزع ما أمسك شعرها بمكانه...وتُسدل سواده المفرود كالمسطرة...وتعيد عليه بالفرشاة والسيشوار...وتلف الفرشاة حول خصلات احاطت وجهها النحيل حتى يكون اكثر ايهاماً بالإمتلاء...
وتضع أحمر شفاه يبرز حدة شفتيها الرفيعتان...وتبتسم لترى إن تلطخت أسنانها بشىء من أحمر الشفاه...
وتذهب الى غرفتها...فترتدى زي العمل...شراباً طويلاً شفافاً باللون الأسود...تنورة قصيرة ضيقة سوداء ذات فتحة من الخلف...قميصاً لامعاً أزرق وفيونكة سوداء تلف الرقبة.
وتنظر الى جسدها بالمرآة...رفيعاً جداً كما هو مطلوب...ملابسها قصيرة جداً كما هو مطلوب...حذائها ذو الكعب العالى جداً المطلوب...
وتنزل من بيتها غير عابئة بنظرات الإستنكار التى تلاحقها...فقد إعتادتها...كما إعتادت نظرات التفحص والشهوة من زبائن الفندق...وإعتادت الهواء البارد الذى يلفح ساقيها شتاءً...وإعتادت تقلص ساقيها من طول الوقوف بالكعب العالى لخدمة مرتادى كافيتريا الفندق...وإعتادت انها عندما تقدم المشروبات على المناضد المنخفضة قد يُرى من فخذيها ما لا تود أن يُرى...لكنها إعتادت...وفقدت الحس...فقدت الإهتمام...فقدت الرغبة فى تبين نوع النظرات وتبين مشاعرها نحوها...
ولم تكن تبتسم للزبائن بالقدر الكافى...كانت مستقيمة المشية والنظرة والأداء...تعلم أنه يمكن أن تحقق الكثير إن إبتسمت...لكنها لم تكن لتبتسم...فقط لأنها تستيقظ كل يوم على صوت الديك...فقط لأن جيرانها ما زالوا يربون الدجاج...فقط لأن الناموسة الشبعانة تنام بأحد أركان الحائط...فقط لأن غرفتها صغيرة وأمها تسكن المطبخ صباحاً...فقط لأنها تلف شعرها بالعديد من دبابيس الشعر...فقط لانها فنانة آى لاينر...فقط لأنها ترتدى شراباً شفافاً طويلاً لتبرز سيقانها الرفيعة...لأن عينيها المرسومتان ليستا عينيها...ولأن ساقاها تؤلمانها من طول الوقوف لخدمة الزبائن...فقط...فقط لأنها لم تعد تهتم...