الاثنين، ديسمبر 24، 2012

سيجار...

أتدري ماذا أعني؟
أعني تلك اللحظات الجديدة علينا..
اللحظات التي لم نعشها من قبل..
قصيرة هي..
مختصرة هي..
وفي قصرها يكمن سرها..
فهي تترك الأثر المحبب الذي ينسينا واقعنا..فقط للحظتها..

كانت لحظات تلك الليلة كذلك..
ليلة شتاء باردة..في شارع قديم هادئ..
عاد فيها بعد سفر طويل..وعندما عاد تساءلت..كيف يعود بعد المرارة والغضب..أهو عمق الحب..ام حب المُر..
وذهبت لأراه كطلبه..تقابلنا في طريق يلمع بأثر بقايا أمطار..
جلسنا في حديقة مقهى راقي على مقعدين وثيرين يتلاقيان عند منضدة عليها كوبان كبيران من شاي فاخر له رائحة مميزة...
رائحته العطرية فواحة كشجرة تم تقليمها وقت فجر ندي..
كانت أكفنا الباردة لا تدري كيف تُسكن شوقها للدفء...أبجيب المعطف الثقيل أم باحتضان كوب الشاي..

نظرت الى أعلى لأريح رقبتي التي آلمتني من النظر الى جانبي حيث يجلس ...فلم نكن نجلس متقابلين..نظرت الى أعلى فرأيت القمر بدراً...تجري عليه غيوم تكثفت بسواد الليل..فهنيهة تستره وهنيهتان تكشف لعيناي ضوءه الفضي الساحر..
تنفست بعمق وكأنني أُدخل صدري من رحيق القمر بعضاً من نور وجمال..

ابتسمت إعجاباً بلحظتي تلك..لحظات تشبه لوحات فنية ان دونت برسم ولون..لوحات احفظها بذاكرة الحياة...إعجاباً وتدوين: "إني مررت من هنا"

واستقرت ابتسامتي بقلبي وسكنت حين جاء صوت "فيروز" خافتاً من سماعة ما تدثرت بشجيرات تحيط بنا..
كانت "فيروز" تسأل حبيبها... "تذكر آخر مرة شفتك سنتها"...
ووجدتني أتذكر...

ثم نظرت إليه..فرأيت إبتسامة مُعجبة بالحياة...وعينان تحدقان بي..بنظرات لا تفارق وجهي...عينان لا تنظر الى القمر الذي تداعبه ستائر الغيوم..لم تنتبه لصوت فيروز المختبئ بين أوراق النباتات الخضراء والحمراء..لم تنتبه للذكري التي تساءلت عنها "فيروز"....
عينان استقرتا عليّ أنا كمصدر تقديره للحظة..

هالتني المسئولية وتمنيت الإختفاء بداخلي..ولا أدري..أكان الخَفَر أم كان الخوف!

إرتشفنا من أكوابنا العطرة...ولم يتركني أذوب بداخلي أو أستجمع إرادة للرحيل..
وبدأ الحديث الدافئ..في ليلة الشتاء الباردة..أكثر سخونة من كوب الشاي وسحر القمر وعذب صوت السيدة.

وفي لحظة ساحرة..أشعل سيجار غليظ..كدت أن أضحك لما يحاكي ذلك ما أراه في أفلام غربية تحلو فيها المَشَاهد لأنها فقط..مشاهد.
إلا أنها لحظة خلت من الافتعال..فقد عانقت رائحة السيجار رائحة الليل وأثر المطر على الأشجار والقمر الفضي والهواء البارد ودفئ الحديث وعبير الشاي..

وأصبحت لهذة اللحظة ذكرى عطرة برائحة السيجار..

أتعرف تلك الذكريات..التي إن تتذكرها، تملأ أنفك ووجدانك برائحة خاصة تجوب عقلك بجنون..تلك الذكريات التي تكاد تقسم وقتها إنك تشُم فعلاً راحة اللحظة..

ربما كان اختلاف اللحظة عن كل اللحظات هو ما جعلنا ننسى الوقت والآخرين والحسابات...فقط تحدثنا...عن جرح فات...عن حب فات..وعن خوف آتٍ آت..

وبعد دقائق دقت ساعة الرحيل...وقت نهاية كل بداية...

وافترقنا عند لحظة ثمينة...سعد فيها كلاً منّا بما حمله من غنائم الليلة..

ذكرى عطرة برائحة السيجار وبرد الشتاء وضوء ساحر و صوت رقيق..

لنضع نهاية أنيقة لفاصل بقصتنا..
ولنعلم أن شئ ما..في وقت ما..سيتبع.




الأحد، أغسطس 26، 2012

حنّاء

 
هكذا عرف أكفهن..محنّاة بلون نُحاسي خضب جلدهن..
كل نساء قريته ذوات أكف ملونة..كلهن سمراوات بلون شاطئ نيل أسوان الجميله..كلهن ذو صوت واحد ولكنة واحدة..كلهن يعشقن الأقراط الذهبية..كلهن يتشحن أثواباً ملونة من قمة رأسهن حتى كعوبهن المخضبة ..أيضاً.
 
رآهن  مخضبات نُحاسيات سمراوات يبرقن بأقراط ذهبية كبيرة متدلية وتغطيهن أثواب ملونة...عرف فاقع الألوان حتى زهدها.
 
عرف "اللون" كثيراً كثيراً حتى صار لا ير ألواناً..كانت الألوان في عينيه هامدة كلون حائط زنزانة نظر إليه المسجون مدى الحياة.
 
وكان عندما يرى بعض السائحين اللذين يطوفون بحارات قريته أحياناً نادرة -لبُعد بيته عن مناطق الجذب السياحية في أسوان- كان يفقد الإحساس بالزمن ولا يفقه إلا ما يراه...  كان يرى في باهت بياض بشرتهم وباهت شعرهم  الأشقر وقلة ثنايا أجسادهن - كان يرى بهم ألوان الطيف كلها..
فكان يتنعم بالنظر إليهم وكأنه في حديقة غناء في عز زهو الربيع..لم تكن شهوة يخص بها النساء..كان إستملاء بَصر بالمختلف..
حتى أنّ في يوم ، مر عليه سائح عجوز وزوجته ليتفقدا النقش البارز الذي حفره ولونه جده الكبير في دكان البَهّار الذي تمتلكه عائلته..وبعد أن صورا الحائط..إبتسما كثيراً وشكراه ومد الرجل يده ليصافحه..فنظر مطولاً إلى لون كفه الأبيض الباهت الخالي من الخضاب..ثم ناوله كفه مصافحاً بسعادة كبيرة..
 
كان فتىً في مقتبل العمر وكان يتمنى أن يسمح له جده بالدراسة في إحدى المدن البعيدة..وكان جده يحبه كثيراً ويرى به أكبر أبناءه الذى مات وترك الفتى يتيماً..فكان يرفض دائماً حتى نجح الفتى بتفوق بشهادته الثانوية ثم أضرب عن الطعام حتى يسمح له جده بالسفر..وسمح له جده على مضض.
 
وهناك..في أجواء البنادر الملوثة بالعوادم..رأى أكفاً كثيرة لا تعرف الخضاب إلا عندما تتزوج إحداهن..رأى كعوباً بيضاء بلا حُمرة أو سوداء جافة تدل على شقاء مُصاحبة أتربة شوارع المدينة المُرة القاسية..فتنفس مستمتعاً بألوان زاهية تملأ ناظريه..
 
ورآها ذات صباح تجلس على أحد أرصفة حديقة الكُلية..وأحب قدماها الصغيرتان اللتان ظهرتا من حذاء لا يربط جنباته إلا خيوطاً جلدية ملونة تقيد قدماها البيضاوتان اللطيفتان إلى النعلين..
كانت بيضاء..ذو شعر بلون جذوع الأشجار يلمع تحت وهج شمس الصيف الساخنة..وكانت ما إن رأته تبتسم للُطف تقاسيمه وإبتسامته الواسعة ذات الأسنان البيضاء كشراع  الشتاء..
 
لكنه مع الوقت عرف أنها صعبة المنال بقدر صعوبة موافقة جده على أن يتقدم لإحدى بنات المدينة البعيدة..
 
ومرض الجد..وعاد الفتى إلى قريته..وأصر الجد بقوة -رغم وهنه الشديد- أن يزوجه..وتم الإتفاق مع عم له -لا يرتاح إليه كثيراً- على أن يزوجه إبنته الحسناء السمينة..
وافق العم وأطرق الفتى غير معارض..حتى إن كان يوم الحناء ، ذهب إلى بيت عمه القاطن بأول حارتهم ونادى على أخو العروس..نظر في عينيه وهو يحبس أنفاسه إهتماماً ..وهو يتصبب عرقاً ..وهو يُقلِص عضلات وجهه كأن ما يريد أن يتفوه به يصعب نطقه من خطورة معناه له..فأوجس ابن العم خيفة وأنصت إليه في ذعر،
 
حتى قال: "إستمع إلى جيداً فلن أقبل في الأمر نقاش..قل لها: لا حنّاء!"