الأربعاء، ديسمبر 31، 2014

الغريب - ليلة ليست للوحدة


- عام جديد سيبدأ غداً...أتظنين أن السعادة ضرورية لأن ننهي بها العام القديم..أعني..كل الاحتفالات التي بالأجواء..أتشعرينها حقاً أم هم ألهموكِ إياها؟
- نحن نتطلع لأي شئ يبهجنا مؤقتاً..نحن نصنع الأعياد يا صديقي
- ما هي خططك لليلة؟
- مدعوة مع بعض الأصدقاء...وأنت؟
- مدعو لحفل بيتي عند صديق لي من المقربين
- لطيف أننا لن نقضيه بمفردنا في المنزل...تركت نفسي وحيدة في احدى السنوات وكانت النتيجة حزن كبير
- حزن؟ ولكنك لست الفراشة الاجتماعية التي لا تأنس بخلوتها مع نفسها
- نعم..ولكن في أوقات اجتماع الناس..اكره الوحدة...حين تكون ضوضاء الليل اعلى من النهار..امقت الوحدة
- لطيف نعم أن كلانا له حفلة ما ليلهو بها...لكن، على أية حال...لم تكوني لتقضيها وحدك..كنتي ستقضين الليلة تتحدثين معي
- لم أكن لأدعك تبقى بالبيت من أجلي..ربما كنت سأمطرك رسائل على هاتفك طيلة الحفل
- أحب الرسائل جداً..أعتقد أنها أفضل اختراع للتواصل
- نعم وأنا أيضاً...أفضل كثيراً من مكالمات الهاتف..أتعلم، يصيبني الجنون عندما أرسل لأحد الزملاء رسالة فيرد علي بمكالمة
- أنا في حالة كهذه لا أرد...وأرسل له بأنني لن أرد
- يضحكني مدى تشابهنا حتى في ابسط الأشياء
- نعم...
- كم من أصدقاءك يعلم بأنني صديقتك المقربة؟
- "مازن" يعلم
- فقط "مازن"؟
- نعم..هو الوحيد الذي أتحدث معه عن أموري الشخصية
- حسناً...
- وأنت؟
- لا أحد
- لماذا؟
- لأنني لا أتحدث مع أحد عن أموري الشخصية، إلا أنت.
- حسناً
- وما هو رأي "مازن"؟
- في ماذا؟
- فينا
- سعيد أنني سعيد...حذرني من استمرار علاقتنا دون مقابلة طيلة هذا الوقت..ولكنني طمأنته
- طمأنته؟
- نعم..بأن هذا لن يستمر طويلاً
- ....
- دعيني أوضح لك قبل أن تفزعي...كل خوفك هذا لأنك تعبة..ما حدث معك سابقاً وعنف الحياة جعلك مرهقة وما ان تنفستي قليلاً وجدتي نفسك خائفة من عمل أي شئ قد ينزع منك الراحة..أتفهمينني؟ مع الوقت سيتغير الحال..
- هَوَسك بتغيير الحال هو ما يتعبني حقاُ..لماذا لا تستطيع أن تفهم أن تعارفنا صدفة عبر العمل هو أمر قدري قد لا يستمر ان تغير نوعه..افهمني..ما ان نتغير حتى سنكون مثل كل من قابلتهم انت وانا..سنُرى!
- نُرى..نعم..نُرى..أنت تعرفين شكلي وأنا كذلك..لكن أرواحنا لا تُرى..سوياً..معاً..في حضرة ذلك الشئ الجميل الذي يغمرنا..
- أنا تعبت من هذا النقاش وبذات الموضوع
- وأنا أيضاً..
- ....
- سأذهب الآن
- حسناً






- جائتني رسالتك..فقررت أن أتصل بكي كما تمقتين..لماذا لن تخرجين الليلة الى الحفل؟
- لا أريد..لماذا اتصلت..لم أقصد ازعاجك وانت مع الأصدقاء..وددت فقط أن اتمنى لك ليلة سعيدة
- أنا في البيت...
- أنا السبب...أثرت على مزاجك؟ أنا آسفة..حقاً
- أنتِ السبب نعم..لم أن لأستمتع..أفتقدك كثيراً..أكثر من المعتاد..خاصة بعد الجدال
- وأنا أيضاً...
- اذاً..سنبقى الليلة سوياً؟
- حقاً لن تخرج الى الحفل؟
- حقاً...
- إذاً...نصنع كوبين ساخنين وسأقول لك قرارات العام الجديد..
- ونشاهد فيلماًلطيفاً؟
- نعم..سأرسل لك رابط لفيلم رائع..
- إذاً، هيا بنا..ماذا ستصنعين؟
- شوكولاتة ساخنة
- سأضيف شوكولاتة الى قهوتي...

يتبع...



الاثنين، ديسمبر 29، 2014

الغريب- فضفضة بلا سر



- أعتذر لإيقاظك
- ما بك؟ ماذا حدث؟
- غاضب وحزين وأحتاج أن أتحدث معكي...لم أستطع النوم..خرجت لأتجول قليلاً لكنني اختنقك أكثر من رؤية كل من يبدون بخير...
- ألمك حاد..يغضبك ممن لا يشعرون بك..حتى لو كانوا أغراب
- هذا هو شعوري فعلاً...أنا..أنا آسف لايقاظك..
- لا تقلق..لم أكن نائمة إلا ضجراً..دعني أصنع القهوة حتى أسمعك بكامل وعيّ
- سأعاود الاتصال بكي بعد قليل
- لا..لا ترحل..تعال معي الى المطبخ
- .....
- أراك تبتسم قليلاً..هذا أفضل
- نعم..أفضل
- احكي لي..ماذا حدث
- زارني صديق لم أره منذ سنين..صديق بيني وبينه تاريخ من التأرجح بين القرب وبين النفور..رأيته في حال أحزنني...
- ما الحال؟
- لن أتحدث عن هذا...
- حسناً...
- ...
- أكمل
- انتهيت..قولي لي كيف كان يومك؟
- يومي كان عادياً..لا شئ فيه يُحكى..هيا..احكي لي عن ما كان يؤرقك ويحزنك ويغضبك ويجعلك تمشي هائماً غاضباً ممن يبدون بخير
- التفاصيل قبيحة لا أريد أن أتكلم عنها..أو عنه في هذا الشأن
- هل يضايقك أي أمر آخر يختلف عما لا تريد الحديث عنه؟
- لا..ما حدث معه ليس بهين
- إذاً...احتجت أن تحدثني فقط لتقول لي أنك لن تستطيع أن تقول لي ماذا يؤرقك؟
- تجدين هذا مضحكاً؟
- بالعكس...اضحك لسبب آخر
- لأنني أحتاج لك...دون تفاصيل
- أضحك استعذاباً لطفولة غضبك..فأنا أعرف أنك راويٍ ماهر..متحدث تعرف كيف تصف مشاعرك وتعرف ثنايات نفسك..وأعرف أيضاً أنك يمكن أن تحكي لي عن أي شئ..أما الآن، لأنك لا تستطيع البوح بسر صديقك..فأنت تحتاج للتعبير الطفولي هذا عن ما بك..ويسرني انك فررت إلي من غضبك 
- ليس احتياج طفولي...ربما...إنه...
- يقولون أن الرجال لا تحكي..لا تحب أن تحكي..أو ربما لا تريد..يقولون أن الرجال لا ينضغطون من الكتمان كما يحدث للنساء..ربما هذا هو الحال..
- تقاطعينني للمقاطعة وليس لاقتناعك بما تقولين..فأنت تعرفين جيداً أنني أحكي لك وأتحدث وأشاركك كل حياتي بالكلام..ولن أتطرق لرغبتك ألا يتجاوز وجودي الحديث..لكن..مجرد أن وجودي بحياتك بالحديث يؤكد لك أن الأمر ليس كذلك..
- ربما أن تختلف عن الرجال..
- لا..لا أعتقد..يعرف عن الرجال الصمت لفقر من يتحدثون إليهم لذلك لا يتحدثون ثانية..وما أن نجد شريك كفء في الحديث..نكون على سجيتنا..
- العيب في المستمع إذاً
- لا..ليس المستمع هو المنقوص...المشارك..الحديث مشاركة..أتحدث فتهمينني وتتحدثين فأفهمك..والفهم ليس ذكاءً..بل قدرة وسعة وقلب..
- نعم..
- أود لو أرى هذه الابتسامة..أود أن أراها الآن وفوراً 
- إذاً..فلتحكي لي شيئاً آخر..كيف كان العمل اليوم؟ وماذا أكلت؟
- ...
-...
- حسناً...



يتبع...

الجمعة، ديسمبر 26، 2014

الغريب - حلوى الجيب



- وهل أعطيت الفتاة الصغيرة قطعة من الحلوى التي تحملها دائماً بجيب معطفك؟
- لا...
- حلمت البارحة حلماً جميل...
- احكي لي عن حلمك وسأعطيكي الحلوى التي أحملها بمعطفي
- تروقني ابتسامتك..
- لم تريها...
- بل أراها...
- يا ليت...
- كان آخر ما رأيت في نومي قبل أن أستيقظ...كنت أجلس مع أقارب لي ومعارف في صالون ربما كان بمنزل لي...وكانت تجلس أمامي طفلة بالكاد تستطيع أن تجلس..رضيعة...لا تلبس الا حفاضها...لم أتبين ملامحها ولكنني لاحظت اتساخ حفاضتها...نظرت لأمي متوسلة كي تنظفها نيابة عني كي أعتني أنا بالحضور...لكنها لم تأخذها...فلاحظ الحضور الأمر...قمت أنا بعد أن استأذنت منهم وأخذتها وذهبت بها الى المرحاض...
حملت جسدها كله على ذراعي...تحسست جلدها الجميل...فتحت صنبور المياة الدافئة وغسلت عنها كل ما علق بها دون أن أبعد نظري عن وجهها...ورأيت ملامحها جلية..فتاة رضيعة جميلة جداً..كانت تنظر لي وتبتسم..وأنا كنت أشعر أنني أطير من السعادة والفرحة وقلبي ينبض بحب عظيم لها...وبعد أن أصبحت نظيفة تماماً حممتها بماء دافئ رائحته رائعة..كزهر ندي..كان الماء ينساب على جسدها وعلى ذراعي الذي حملها..ونحن ننظر لبعضنا البعض بحب وابتسام...وكأننا نرقص سوياً على موسيقى طفولية وفرحة انما هادئة...وطيلة الوقت نسيت تماماً الحضور وأمي وما بانتظاري...شعرت بلحظات ملأت قلبي سعادة حقيقية.
واستيقظت وانا ما زلت أشعر بها بيني يدي وما زلت أرى ابتسامتها وعينيها...وما زلت أشعر بالسعادة...
- أتعرفين عن تفسير الأحلام؟ أتريدين أن تجدي له تفسير؟
- لا أعلم...قد يؤرقني تفسير ما...قد يذهب عني ما شعرته في الحلم من سعادة
- لم أسأل لأنني أثق في التفاسير...أسأل لأعرف ماذا تريدين بعد شعورك بالسعادة وان كان شعور في حلم...أتريد دلائل أو تكتفين بسعادة حالمة..
- لن تكون أول مرة أشعر فيها بسعادة خالصة بحلم...سعادات محفورة بقلبي وقريبة..
- أتزهدين محاولة الوصول لسعادة الواقع..مكتفية بالحلم؟
- لحظات السعادة في الحلم ليست منقوصة..لمَاذا تؤكد على وضعه في إطار ناقص؟
- ربما ليس بناقص..انما مؤقت جداً وغير مستمر وغير مضمون
- الواقع أكثر تأقيتاً ومخاطرة بالتلاشي..
- مخاطرة..هي كذلك..قد تستمر السعادة وقد تنتهي..لكن المخاطرة جزء صحي من الحياة..من العيش..
- محفوفة بالألم والصدمات..انما الأحلام الجميلة بكل تفاصيلها التي تشعر بها وتتذوقها أكثر من أي واقع...تكون كهدية جميلة غير متوقعة..هدية من القدر..هدية لن تذيقك لحظة هنية ثم تهينك..لن تعطيك ثم تسلبك منك..لن تجرحك
- يحركك خوف كبير وماض أكبر...فلا جدوى من جدال
- نعم..لا جدوى من جدال...لحظات سعادتي في حلم أو واقع هي هدية خالصة لي..ملكي...لماذا تريدني أن أبحث عن بديل لعطية طيبة حنونة كهذه؟
-لا تبحثي عن بديل..لا يمكن أن أدعوكِ لهذا..فكرة البديل إهانة لكرم الواقع..أدعوك فقط أن تسمحي للقدر أن يهديك من الواقع سعادة..
- لا نسمح للأقدار..بل الأقدار هي التي تسمح أو لا تسمح لنا..
- سأعطيكي كل ما لدي من حلوى..أتفتحين يديك لتأخذينها...أتحملينها بذات اليد التي حملت الرضيعة سبب سعادتك؟
-.....





يتبع...




الثلاثاء، ديسمبر 23، 2014

الغريب - كم من الوقت يكفي؟


- إذاً..دعيني أراكي
- لمَ؟
- أريد أن أراك..ربما أكون أقرب إليك ممن يرونك كل يوم..أعرفك أكثر..أشعر بك أكثر..
- أنت تظن أنك تعرفني أكثر..لكنك لا تعرفني..كم أنت موهوم..ربما رومانسي..تظن أن الساعات التي نقضيها في الحديث هي ساعات تغوص فيها بقلبي وتعرف داخلي..عزيزي..إنك تعرف ما أريدك أنا أن تعرف..
- تتصنعين السيطرة ثانية..دائماً..ألم يمر وقت كاف لتعرفي أنك لا تحتاجين لهذه المهارة معي؟
- الوقت..كم من الوقت يكفي، بنظرك؟
- كفاك!
- ماذا؟
- خوف...
-....
- لا تخافي...
- بل أخاف..ولي حق أن أخاف
- صدقت لأول مرة منذ بدء الحديث..خفت حدة صوتك..ارتجف رقة..وصدق..وخوف
- نعم..
- لا تخافي...
- كيف لي أن أتخلى عن صديقي
- أنا؟
- لا...الخوف
- أنا صديقك..هو قيودك
- هو أماني
- أريد أن أراكي..أعرف صوتك ونّفّسك أكثر مما أعرف صوتي..أريد أن أكون..كاملاً..
- لست بكائن؟
- ليس كاملاً...أريد أن أمشي معك في ليل بارد ونتحدث..لم يعد يكفي أن أحكي لك كيف كان مشيّ في ليلي البارد...
- لو أصبحت كاملاً وأصبحت كاملة..لن أعرف أبداً إحساسك بالخطوة ولا بالبرد...سأفتقد الوّنّس وأفتقد الصديق وأفتقد مشاركة اللحظة..
- ستكونين معي في اللحظة...
- ليس حقيقي..اعتقاد الكمال والسعي اليه يفقدنا كل شئ..كل شئ...
- بعد كل هذا الوقت والقرب والتفاهم والتوافق؟
- إيمانك بالوقت ليس كإيماني...الوقت ليس سبيل للتحقق ولا دليل على الوثوق...الوقت عامل قد يعني العقل وقد يعني الجنون..قد يتيح القرب وقد يقرب البُعد...قد يشكف وقد يستر..الوقت لا قوة له على حقيقتنا الا قوته على اجبارنا بالعيش فيه رغم مروره السريع...
- أعرفك من صوت نَفَسك..أعرف من تنهيدتك كيف كان يومك وما أفرحك وكيف يبكيك الكثير..أريد أن أراك...
- أريد أن أعيشك..أن تبقى..لمحة إنسانية تردني الى روحي..لا مخاطرة ولا تفكير ولا حسابات ولا توقعات قد تصيب فيتغير الحال أو تخيب فينتهي...
- إنني...
-....
- مشيت اليوم بشارع تملؤه الأشجار الزهرية...شممت رائحتها مع كل لفحة هواء بارد حركتها...كانت الشمس تكمل الغروب رغم الغيوم...وكان يمشي أمامي رجل وامرأة معهم طفلة صغيرة شقراء تشبه الزهر المنثور على الأشجار...لففت معطفي حولي وأمهلت السير حتى أنهل أكثر من حلاوة اللحظة وحتى أحفظها جيداً كي أحكيها لك...



يتبع...

الأحد، نوفمبر 09، 2014

استعاضة تبدو يسيره


يأخذ بين يديه القطعة التي لا شكل لها..قطعة بيضاوية صغيرة..لونها الطبيعي يميل الى الاصفرار مع قليل من حُمرة وتشوبها تعريقات رفيعة تسري فيها الوان قاتمة تعطيها بعض الحياة..

يأخذ القطعة بين يديه ويحركها يميناً ويساراً..ينظر اليها من اعلى ومن اسفل وكأنما يبحث عن مُدخل فني يبدأ من عنده الحفر والتلوين..
ثم يتركها مصفوفة وينظر الى القطع الأخرى المماثلة..فربما يجد قطعة أفضل..فيجد بعضها صغير جداً ويجد البعض الآخر أكبر بكثير..ثم يعاود الامساك بها..

يأخذ قلماً سنه مدبب كمنقار طائر أسطوري صغير..يغمسه في اناء به لون اسود اكثر قتامة من أي سواد آخر..يمسكه بحرص ويرسم على سطح القطعة خطوطاً رفيعة..أسماء وكلمات يكتبها بخط جميل مميز أسفل القاعدة ليعرفها ويعنونها ويقولبها بزمن ومكان ووسم.
ويتركها..وينشغل بعمله..حتى ينوي الرحيل فلا ينسى قطعته الجديدة..فيحملها بحقيبته التي يعلقها بجانب قلبه..يمشي في طرقات متعرجة كثيرة الثنايا ويقضي الأيام يرتحل بين المدائن مفعماً بالحماس تارة وممتلئاً بالبؤس تارة أخرى..

وحين يرتكن الى حائط متهدم بمنطقة نائية طلباً للراحة..يتذكر ما بحقيبته..يفتح الحقيبة وينظر الى القطعة التي لم يلمسها الا لعنونتنها عنواناً يدل على امتلاكه اياها، يجدها وقد بهت لونها قليلاً..يقلبها بين يديه..مهتماًً- فجأة- فقد تذكر لتوه انه كان يحملها على كتفه بالقرب من قلبه طوال الرحلة..فيجد ان بها انبعاج خفيف..يبحث بذاكرته عن السبب فيتذكر حين تعثر في طريق صخري قاس وسقط وسقطت معه الحقيبة..يتذكر ان ساقه قد جُرحت وظل يومين يطببها حتى استطاع السير ثانية ومواصلة الرحلة..ويبحث ثانية فيما قد اصاب القطعة الملساء ليجد شرخاً في مقدمتها..شرخاً رفيعاً بالكاد يلحظ لكنه يقسمها من المنتصف وبزاوية تطال أدناها..شرخاً لن يندمل..فيحمد الله ان الشرخ لن يكسرها..ينظفها بطرف ثوبه ويعيدها بالحقيبة بحرص..

وبعد أن يرتاح ويكمل السير يصل الى محطة ما بها ورشة صغيرة تشبه بيته..ويجد فيها الواناً ودهانات وأدوات نقش..يُخرج القطعة ويلقمها خرزاً ويدهنها لوناً لامعاً براقاً ويحفر عليها نقوش عميقة ويلونها بألوان زاهية محببة..ينظر اليها في زهو ومحبة..يتركها في الهواء كي تجف وينظر إليها باعجاب..بصنعته..ويقسم أن يعيدها لأمان حقيبته بجانب قلبه وأن يحافظ عليها هذه المرة..لكنه يقابل صديق جاء على متن سفينة ذات ألف شراع..جاء فقط كي يكون مع صديقه الودود..وهو مخلص..فيطعم الصديق ويؤوي الصديق ويُكرم الصديق..ويتفق الصديقان على اعمال ومشروعات تخدمهما مدى الحياة وتعدهما بالرخاء والثراء..فيستيقظ صاحب القطعة صباح كل يوم لخدمة مشروعاته الجديدة وينام كل ليلة على أمل الاستيقاظ لمعاودة خدمة مشروعاته الجديدة..

حتى يستيقظ يوماً ويجد أن مشروعاته الجديدة قد رحلت مع  الزائر الذي تركه نهار يوم جمعة، تاركاً وراءه قميصاً متسخاً قد سقط تحت فراشه..ورحل الزائر وقد ترك صديقه غارق في خذلان الآمال التائهة..فيبكي الصديق وينتحب..يبتئس وييأس..وفي احدى الأمسيات ما بين نوم واستيقاظ،  يتذكر القطعة الملونة الزاهية التي تركها تجف منذ شهور ونسي امرها..فيقفز من فراشه مسرعاً الى الرف القديم..ليجدها في مكانها بذات نقوشها وتوقيعه ورسوماته والخرزة الملقومة في مكانها..يرى القطعة وقد اعتلتها طبقات من الأتربة..فصار زهوها رمادياً كلون دخان الكانون..فيهفو اليها ويحملها ويمسك بها باعتناء ويتجه الى الصنبور فيفتحه عن آخره ويترك المياة تنهمر عليها ويساعد الأتربة ان تذوب عنها بحركات حنونة من يده..حتى إن أينع لونها مرة ثانية وأشرقت بنظافتها، لثمها بطرف ثوبه مجففاً إياها..

وتزوره الابتسامة لأول مرة منذ رحيل الزائر..يرى القطعة التي حقق وجودها وأعطاها عنواناً وإسماً وهوية وألبسها ولونها وأحياها..فيبتسم بحب واعتزاز وياخذ قلماً ازرق وقلم أحمر قاني..ويرسم للقطعة عيون وشفاه..يرسم رسماً دقيقاً بزاوية تجعل العيون تنظر بصدق واهتمام ورؤية..يرسم خطوط الشفاه لتنطق بابتسامة مُحررة مؤكدة مؤمنة..وينظر الى رسمه..ويبتسم بدوره ان اصبح له خليل مضمون لن يرحل ولن يتفوه بالوعود ولن يأخذ للطرق الوعرة الصخرية حيث التعثر والجروح..

يفرح وينسى بؤسه..يودعها حقيبة مقتنياته..ثم يذهب الى السوق ليشتري طعاماً..فهو يريد أن يشبع ويمتلئ ثم ينام..ينام ساعات طويلة مثقلاً بالطعام ومخففاً عن نفسه ثقل قسوة أيام سابقة قضاها بلا مؤن أو نوم..ينام بعمق لم يسمح لعقله بالحلم أو بالإفاقة على صوت ارتطام القطعة ارضاً ثم التقاط السارق لها وللحقيبة والرحيل بسرعة قبل استيقاظ النائم وانكشاف الأمر..

ويستيقظ صباح اليوم التالي..ويبدأ يومه..ويسعى..وينتصف اليوم ثم يأتي المساء وحين يذهب لالتقاط الحقيبة لا يجدها..ينظر حوله ملتاعاً..فهي بها أدواته..وماله..وأوراق هامة..وبها القطعة..

يجلس في ركن ما..يفكر ماذا سيفعل بعد الخسارة الكبيرة..

فيقرر أنه سيقترض مالاً من صديق قديم ليشتري أدوات جديدة ويقرر أن يذهب الى بيت القضاء ليستخرج أوراق جديدة..فيرتاح لقراراته واستعاضة تبدو يسيره..

فيأكل حتى يمتلئ..وينام..



الأربعاء، أكتوبر 22، 2014

معارك الصباح الودية



كان يشعر في عمق نومه بحركة الصبح..

كان يعي في عمق نومه أن الزمن يتحرك بدونه..أن الأرض تحيا بدونه..وأن أمه المُسنة تقضي آخر أيامها بدونه..

كان يعلم أن ما يفوته من الدنيا قد يفتح أوردته على آمال جديدة..لكنه كان يهاب أن تتفتح أوردته على آلام قديمة قد تتكشف تحت مجاهِر ضوء النهار..

فنائم النهار لا يشهد البدايات..لا يشهد البزوغ..لا يشهد أطفال المدارس بحقائبهم العملاقة وهم يسرعون الخُطى صباحاً في شارعهم الضيق ذو الأشجار المورقة..ولا يشهد حارس العقار وهو ينثر الماء على السيارات النائمة وهو يتحمل – بحماس – ملابسه وسواعده المبتلة رغم برد الشتاء..وهو ينظف الاطارات كأنها ستتألق دوماً، وهو يتجاهل تماماً حقيقة أنها ما أن تدور نصف دائرة ستنطفئ بكل أتربة الشارع المعهودة..

نائم النهار لن يرى بعينيه نشاطات الكائنات..لن يرى العصفورة الكائنة أعلى سور الشرفة المجاورة له وهي تبني عُشاً صغيراً لن يزعجه قاطني الشقة المسافرين..لن يرى ولن يتسائل كيف علمت..
نائم النهار لن يرى أسراب السيارات المغادرة لبيوتها في اتجاه مصادر الدخل..لن يرى الكون وهو يوفي بالتزامه الجمعي ببدء العيش والسير والحركة..
فهو نائم..ثابت..مغمض العينين..تائه بين ارهاق جسده وفقدان القدرة على السقوط في بئر النوم..فهو يرقد ويحاول أن ترقد روحه وتسكن نفسه..

ربما لو رأي كيف أن الناس يتكاثرون حول عربة الفول الملونة ويتدافعون لتزويد أجهزتهم بالوقود..ربما لو رأي الحركة المطردة للسير في آن واحد كل صباح..لربما علم كيف أنه ضد المخلوقات كلها التي تسير بينما هو راقد يغلبه النعاس ولا يكتمل..

ربما لو علم كيف أن الصباحات توّلِد آمال اليوم كل يوم لكل الخلق..لربما استيقظ وقطف من  أرزاق اليوم طيف رحمة ولربما شعر بلمحة حنان صافية تقربه من الأرض..

ربما لو ذاق قهوة الصباح التي تحتسيها أمه منذ عشرات السنين بذات المكان بالشرفة وهي تحدق في تفاصيل الصباح وهي تتمنى كل يوم لو استيقظ..لو ناولته فنجاناً ورأت تقاسيم وجه في ضوء النهارد- لربما حن الى رشفة من يديها..ربما لو استمع الى مذياع قديم ما زال يشدو ببرامج طيبة بسيطة كطيبة وبساطة الإشراق- لربما أراد ان يبتسم للأمل الذي يلوح في آخر أي طريق..

ولكنه لا يترك الفراش..يُغَيّر النوم على كل جانب وحال، علّ الراحة تأتي لتتولى أمر الفراش العاص..

يغير وضع الوسادة علها تزرع بعقله غياب..

تؤرقه رائحته ولكنه يقرر تجاهلها مُعلناً أنه لن يغتسل فيستفيق..فهذا وقت نوم..

يسمع صوت طرقة الباب اليومية..ويسمع صوت الباب يُفتح ككل يوم..ويسمع حارس العقار يقول بنشاط يتعجب له كل مرة: "صباح الفل يا حاجة..جبتلك العيش السُخن"..ودون أن يستمع الى رد أمه..يعرف انها ستقول له أن الله سيبارك فيه وستطلب منه أن ياخذ ما تبقى من النقود..ويتذكر..ما بين غفو واستيقاظه أنه لم يذق الخبز الساخن لأعوام طويلة..فالليل ليس وقت خَبز ولا رَق..فالليل ليس وقت إفطار..

ويأخذ نفساً عميقاً ويغوص بجسده في فراشه أكثر..

ويتذكر "سلمى" ويتذكر أول مرة طلب منها اللقاء عندما أجابته: "بس احنا بالليل أوي" فأجابها بفخر: "أنا مخلوق ليلي"
ويتذكر أنها كانت تشعره كلما رآها وكأن الصباح قد لاح في عينيها وكأن الشمس قد أشرقت على شعرها وكأنه قد تلاقى مع كل المخلوقات التي تسعى من أجل حياة حينما يُلاقيها..فقد أحب ما بها من نهار يفتقده..ويتذكر كيف خسرها..فقد أثارت فيه رغبة في الخنوع للضوء..خنوع لم يكن يريده ولم يؤمن يوماً أنه فيه..فألبسها ليل دامس لم يكن فيها..وتركها وهو يكرر على نفسه كل ما ليس فيها..عله يقتنع..عله يصدق..عله يرتاح..عله ينام..


ويسمع صوت أحد الباعة ينادي على شئ ما..فتنتبه حواسه..فيشعر بحاجته للقيام – مرغماً – الى الحمّام..ويقوم متثاقلاً..مقطباً..يفتح عينيه قليلاً وكأنه يمنع الضوء من الدخول ولا يسمح لعينيه بالاعتراف بالنهار..ويدخل الحمّام..ويلمح وجهه بالمرآة..ويرى وجه بحال تَعِس..فينظر الى وجهته ويقضي حاجته ويرحل دون أن ينظر الى المرآة مرة أخرى..
ويرمي بجسده على فراشه..ويحاول ثانية..أن لا يسمع المذياع وأن لا يشعر بأمه وأن لا يشم رائحة القهوة..

وتمر الأوقات التي تُرسم فيها الخرائط وتوزع فيه الارزاق وتُكتب فيها السِيَّر..ويتسلل الخدر الى أوصاله..فيذهب في لا وعي طويل..

حتى يستيقظ مساءً ليبدأ حياة أناس آخرون..ويمشي بطرق مختلفة..ويشعر بإيقاع ونهايات الليل ويأخذ نصيبه من أرزاق الليل..حتى ينتهي من يوم في حياته الليلية..

لينجح نائم النهار في الهروب يوم آخر..من معارك الصباح الودية..


الثلاثاء، سبتمبر 02، 2014

الجانب الأيمن


كانت على جانبها الأيسر بغرفة شبه مظلمة..

غرفة لا ضوء فيها ولا ظلام حالك..فقط أشعة فضية من ضوء قمر تخلل عبر شق رفيع بين رقائق من الستائر..فقط لون أرزق يسمح لعينيها التعبتين بالسكون..كانت تستمتع بملامسة جسدها لبرودة ملاءة الفراش القطنية الناعمة..

كانت تحلم بالنوم أكثر مما كانت تحلم أثناء النوم..تحلم بنوم سريع وعميق لا ينهكها بحثاً عن سُباته وسلامه..

التفتت خلفها نصف التفاتة دون أن تفتح عينيها..ابتسمت قليلاً وقالت بصوت يملؤه دلال النُعاس:

- بتعمل ايه؟ ده وقت مبرد الضوافر؟

سمعته يقول بمرح خافت:

- أعمل ايه..انتي عارفة ضوافري سميكة..لازم المبرد البايخ ده..مزعج صح؟

ضحكت وقالت:

- مبرد كهربا..اكيد له صوت..كنت حاسامح لو ينفع استخدمه..بس لسه ضوافري متكسرين فقصيتهم كلهم

قال بمداعبه:

- ليه كده..انا بحب ضوافرك

ضحكت وقد راقها مزاجه:

- عارفة..بس مينفعش واحد يتكسر واخليه أقصر من الباقي..بكره يطولوا

جاءها صوته يقول بعشق وشقاوة:

- وإيديكي مش ناعمة ليه..

فردت عليه مغتاظة:

- وأنعمهم ليه وانت سايبني كل ده..

ابتلعت غصة ما وقالت:

- محدش بيلمسني غيرك

ثم تغيرت نبرتها لتصبح مشتاقة لدنوه فطلبت منه ترك ما يفعله..طلبت بكلمة واحدة نطقت فيها بكل قصائد الحب:

- وحشتني..

اقترب..واستلقى على جانبه الأيسر..ثم همس:

- قلتلك قبل كده بحبك قد ايه؟

اختنقت ضحكة يحبها لتقول:

- عمرك..

- بحبك بعمري كله..

سالت دمعة صغيرة حتى بللت وسادتها..

احتضن ظهرها اكثر وقال:

- احكيلك حدوتة

أجابت بهمس متحشرج:

- يا ريت..

ضم ظهرها اليه ثم قال:

- كان يا ما كان..

وبدأ يحكى..حكاية شاطر ما..في مدينة بعيدة ما..أحب أميرة في قصر عال صعب المنال..

ظل يحكى ببطء وبخفوت وهو يداعب شعرها الذي انسدل ليغطي الوسادة الثانية الكائنة خلفها.. تحسست يده وراءها وأخذتها لتحتضنها بجانب قلبها..

كانت تسمع همس كلماته وتشعر بها بكل كيانها..كانت تشعر بنَفَسِه يصف حكايته متقنة السرد والعاطفة..كانت تريد أن يظل الليل يحملهما في لحظة السلام والعشق هذه..وبدأت تحس بغياب وعيها ببطء نحو ذهاب إلى نوم عزيز..

وقبل أن تغيب في النوم..فقط بثانية..فتحت عينيها قليلاً لتنظر لظلام الغرفة الأزرق..ثم أغلقتهما ثانية بسرعة..أصم أذنيها الصمت..صمت باتر لجزء آخر صغير فيها..كما كل ليلة..ودون أن تفتح عينيها المؤصدتين وكأنها تخاف تَفَلُّت شئ إليهما..ومنهما.

كادت أن تستدير تمعناً في البتر وتأكداً من واقع..لكنها افترشت ذراعيها كوسادة تحت رأسها وكدرع يغطي عينيها..لترقد متسمرة متيقظة الذهن مغلقة العينين..فهي تعلم أنه لن يكون..أنه سيرحل عن خيالها..فهي تعلم أنه سيعود للعدم اذا واجهت وسادته..اذا نامت على جانبها الأيمن.






الأربعاء، أغسطس 27، 2014

مملكة الباب الثقيل



ينام على جانبه الأيمن كما علمه أباه إمام الزاوية الكائنة بحارتهم..يضع ذراعه اليسرى فوق أذنه حتى لا يسمع همهمات الليل..يغفو لتوه ويغطس في عمق لا وعي فيه ولا حلم..

ينام حتى يوقظه منبه حديدي قديم صدئ يعمل بالزمبرك..يستيقظ في السابعة صباحاً..فيصحو نشِطاً جوعاناً ومغطىً بالعرق البارد الذي لم يفلح في أن يزعجه خلال الليل.

يرتعد للحظة من برد شتاء القاهرة القديمة، برداً ينخر تاريخاً مهترئاً بعظامه..فيرتدي بنطاله "الجينز" فوق بنطال منامته ليضاعف الدفء فس ساقين ستحملانه طويلاً..فهو لا يحتمل ملامسة جلده لبرودة قماش "الجينز" السميك الذي يفلح في أن يجمد الهواء بين أنسجته وكأنه قضى الليل يمتص البرد.

يذهب الى المطبخ فيصنع كوب من الشاي الثقيل ثم يبحث عن رغيف خبز يطرح فيه قطعة جبن ليبلتلعهما فيسد فجوة معدته بالعجين والجبن ليختفيان في ثوان..وكأن فمه فم حوت عملاق يختف فيه أثر كل ما قضم.

يرتشف الشاي وهو يلبس قطعة ملابس فوق أخرى للاستدفاء ثم يغطي كل ملبسه بمعطف "جينز" أزرق تختلف زرقته قليلاً عن زرقة بنطاله.

ويسرع الخطى الى الشارع..بجسد يمتلئ عظاماً وعضلات تكدست في قامة قصيرة..جسد لا حيرة فيه..يتحرك بثقة العارفين المعتادين..يخطو بثقله فيكاد أن يغرس في الأرض نبتاً عنيداً..

يقفز داخل أوتوبيس صغير ويجلس في مقعد أمامي بجانب سائق لم يره من قبل ولكنه يليق بالجلوس بجانبه بتفاهم صامت وكأنما يعرفه منذ الطفولة..ويستمع الى المذياع وهو ينظر أمامه وكأنما يتأكد من صحة كل دورة من دورات العجلات المتجهة نحو مقر عمله..

ويصل الى ميدان كبير..وينزل من الأتوبيس ليسبق الجميع المزاحمين له على الرصيف ويتقدمهم بخطوة واسعة أو خطوتين..

يصل لمقر عمله في السفارة..فيهدأ كل شئ فيه..نظرته المتطلعة تخفو كأنها شمعة تضئ في شرفة بعيدة..وخطوته تصبح بلا وزن ولا دَبّ.. وعينيه تنظران دون تفحص.. وصوته يلائم يمتحن الكلمات قبل التلفظ بهم..حتى عروق يديه المتفجرتان دائماً حياة وقوة، تهدأ... وتفقد نصف اندفاع دماءها..

ويستلم عمله..فيستلم جهاز لاسلكي..ويستلم تعليمات اليوم..ويقف بجانب الباب الثقيل..حتى يتلقى الأوامر بمرافقة أول زائر رسمي..فينظر للزائر حتى ينتهى من إجراءات تفتيشه..ثم يومئ إليه ويقول بصوت خافت "تفضل" فيتبعه الزائر ويمشي ورائه جاهلاً هائباً متطلعاً..مأخوذاً برجاء يملوء ومترقباً لمقابلة سيجريها بهذا الصرح الأجنبي الفارض..

يقود الزائر وهو مرفوع الرأس مستقيم البنيان..يشعر بأهميته..فهو القائد لثوان..وهو الدليل لرحلة طولها خطوات..وهو صاحب الرقم السري الذي يفتح الأبواب الثقيلة..باب تلو الآخر..كل باب يفوق وزنه بضعة مرات..أبواب يضع فيها كل قوة جسده وهو يدفعها الى الخارج كي يلج الضيف نحو وجهة أخرى تقربه من هدفه..

ويرى الامتنان في عين الزائر ويستقبل الابتسامة..فقد أخذ بيديه حتى وجد ضالته بعد متاهة..امتنان لأنه قد رعاه حتى بلغ وجهة بها بداية رحلة الحصول على موافقة ما أو اتفاق ما، به مصلحته..

ويترك الزائر في كفالة أحد السادة العاملين في السفارة وفقط على باب خفيف لغرفة إجتماعات..ثم يعود بعد وقت طال أو قصر..ويرى وجه الزائر فيفيق من زهوه عندما يبدأ في رحلة العودة من مكان الاجتماع الرسمي حتى باب الخروج..

ففي رحلة العودة يكون الزائر قد أخذ غايته..
يكون قد استشعر قبول فيلقيه بابتسامة عريضة بها ألفة بَنَتها عِشرتهما في طريق سابق وكأنهما رفقاء درب..
أو يكون قد استشعر أن طلبه صعب المنال فيطوي رأسه على ما ظهر من رقبتة تحت ياقة القميص المنتشية..فينسى الدليل ويهمل القاء التحية ولو بنظره..

أما هو، فهو يعلم أنه أمير الطريق ورسول الهدف في أول الزيارة..ويعلم أنه في طريق العودة مجرد مرسال يؤدي واجبه و يتمنى البعض الاستغناء عنه والانفراد بخذلانهم وحدهم في مصعد يهبط بهم الى أرض الواقع..

وهو يعلم أن كل الأبواب الثقيلة المؤصدة بأرقام سرية هي بوابات مملكته ذهاباً فقط..وأن في العودة..وبعد دفعه لآخر باب خروج ثقيل وارتداده..تموت مملكته..فقط لدقائق وحتى يأتي زائر جديد.