الأربعاء، أغسطس 27، 2014

مملكة الباب الثقيل



ينام على جانبه الأيمن كما علمه أباه إمام الزاوية الكائنة بحارتهم..يضع ذراعه اليسرى فوق أذنه حتى لا يسمع همهمات الليل..يغفو لتوه ويغطس في عمق لا وعي فيه ولا حلم..

ينام حتى يوقظه منبه حديدي قديم صدئ يعمل بالزمبرك..يستيقظ في السابعة صباحاً..فيصحو نشِطاً جوعاناً ومغطىً بالعرق البارد الذي لم يفلح في أن يزعجه خلال الليل.

يرتعد للحظة من برد شتاء القاهرة القديمة، برداً ينخر تاريخاً مهترئاً بعظامه..فيرتدي بنطاله "الجينز" فوق بنطال منامته ليضاعف الدفء فس ساقين ستحملانه طويلاً..فهو لا يحتمل ملامسة جلده لبرودة قماش "الجينز" السميك الذي يفلح في أن يجمد الهواء بين أنسجته وكأنه قضى الليل يمتص البرد.

يذهب الى المطبخ فيصنع كوب من الشاي الثقيل ثم يبحث عن رغيف خبز يطرح فيه قطعة جبن ليبلتلعهما فيسد فجوة معدته بالعجين والجبن ليختفيان في ثوان..وكأن فمه فم حوت عملاق يختف فيه أثر كل ما قضم.

يرتشف الشاي وهو يلبس قطعة ملابس فوق أخرى للاستدفاء ثم يغطي كل ملبسه بمعطف "جينز" أزرق تختلف زرقته قليلاً عن زرقة بنطاله.

ويسرع الخطى الى الشارع..بجسد يمتلئ عظاماً وعضلات تكدست في قامة قصيرة..جسد لا حيرة فيه..يتحرك بثقة العارفين المعتادين..يخطو بثقله فيكاد أن يغرس في الأرض نبتاً عنيداً..

يقفز داخل أوتوبيس صغير ويجلس في مقعد أمامي بجانب سائق لم يره من قبل ولكنه يليق بالجلوس بجانبه بتفاهم صامت وكأنما يعرفه منذ الطفولة..ويستمع الى المذياع وهو ينظر أمامه وكأنما يتأكد من صحة كل دورة من دورات العجلات المتجهة نحو مقر عمله..

ويصل الى ميدان كبير..وينزل من الأتوبيس ليسبق الجميع المزاحمين له على الرصيف ويتقدمهم بخطوة واسعة أو خطوتين..

يصل لمقر عمله في السفارة..فيهدأ كل شئ فيه..نظرته المتطلعة تخفو كأنها شمعة تضئ في شرفة بعيدة..وخطوته تصبح بلا وزن ولا دَبّ.. وعينيه تنظران دون تفحص.. وصوته يلائم يمتحن الكلمات قبل التلفظ بهم..حتى عروق يديه المتفجرتان دائماً حياة وقوة، تهدأ... وتفقد نصف اندفاع دماءها..

ويستلم عمله..فيستلم جهاز لاسلكي..ويستلم تعليمات اليوم..ويقف بجانب الباب الثقيل..حتى يتلقى الأوامر بمرافقة أول زائر رسمي..فينظر للزائر حتى ينتهى من إجراءات تفتيشه..ثم يومئ إليه ويقول بصوت خافت "تفضل" فيتبعه الزائر ويمشي ورائه جاهلاً هائباً متطلعاً..مأخوذاً برجاء يملوء ومترقباً لمقابلة سيجريها بهذا الصرح الأجنبي الفارض..

يقود الزائر وهو مرفوع الرأس مستقيم البنيان..يشعر بأهميته..فهو القائد لثوان..وهو الدليل لرحلة طولها خطوات..وهو صاحب الرقم السري الذي يفتح الأبواب الثقيلة..باب تلو الآخر..كل باب يفوق وزنه بضعة مرات..أبواب يضع فيها كل قوة جسده وهو يدفعها الى الخارج كي يلج الضيف نحو وجهة أخرى تقربه من هدفه..

ويرى الامتنان في عين الزائر ويستقبل الابتسامة..فقد أخذ بيديه حتى وجد ضالته بعد متاهة..امتنان لأنه قد رعاه حتى بلغ وجهة بها بداية رحلة الحصول على موافقة ما أو اتفاق ما، به مصلحته..

ويترك الزائر في كفالة أحد السادة العاملين في السفارة وفقط على باب خفيف لغرفة إجتماعات..ثم يعود بعد وقت طال أو قصر..ويرى وجه الزائر فيفيق من زهوه عندما يبدأ في رحلة العودة من مكان الاجتماع الرسمي حتى باب الخروج..

ففي رحلة العودة يكون الزائر قد أخذ غايته..
يكون قد استشعر قبول فيلقيه بابتسامة عريضة بها ألفة بَنَتها عِشرتهما في طريق سابق وكأنهما رفقاء درب..
أو يكون قد استشعر أن طلبه صعب المنال فيطوي رأسه على ما ظهر من رقبتة تحت ياقة القميص المنتشية..فينسى الدليل ويهمل القاء التحية ولو بنظره..

أما هو، فهو يعلم أنه أمير الطريق ورسول الهدف في أول الزيارة..ويعلم أنه في طريق العودة مجرد مرسال يؤدي واجبه و يتمنى البعض الاستغناء عنه والانفراد بخذلانهم وحدهم في مصعد يهبط بهم الى أرض الواقع..

وهو يعلم أن كل الأبواب الثقيلة المؤصدة بأرقام سرية هي بوابات مملكته ذهاباً فقط..وأن في العودة..وبعد دفعه لآخر باب خروج ثقيل وارتداده..تموت مملكته..فقط لدقائق وحتى يأتي زائر جديد.