الأربعاء، أكتوبر 22، 2014

معارك الصباح الودية



كان يشعر في عمق نومه بحركة الصبح..

كان يعي في عمق نومه أن الزمن يتحرك بدونه..أن الأرض تحيا بدونه..وأن أمه المُسنة تقضي آخر أيامها بدونه..

كان يعلم أن ما يفوته من الدنيا قد يفتح أوردته على آمال جديدة..لكنه كان يهاب أن تتفتح أوردته على آلام قديمة قد تتكشف تحت مجاهِر ضوء النهار..

فنائم النهار لا يشهد البدايات..لا يشهد البزوغ..لا يشهد أطفال المدارس بحقائبهم العملاقة وهم يسرعون الخُطى صباحاً في شارعهم الضيق ذو الأشجار المورقة..ولا يشهد حارس العقار وهو ينثر الماء على السيارات النائمة وهو يتحمل – بحماس – ملابسه وسواعده المبتلة رغم برد الشتاء..وهو ينظف الاطارات كأنها ستتألق دوماً، وهو يتجاهل تماماً حقيقة أنها ما أن تدور نصف دائرة ستنطفئ بكل أتربة الشارع المعهودة..

نائم النهار لن يرى بعينيه نشاطات الكائنات..لن يرى العصفورة الكائنة أعلى سور الشرفة المجاورة له وهي تبني عُشاً صغيراً لن يزعجه قاطني الشقة المسافرين..لن يرى ولن يتسائل كيف علمت..
نائم النهار لن يرى أسراب السيارات المغادرة لبيوتها في اتجاه مصادر الدخل..لن يرى الكون وهو يوفي بالتزامه الجمعي ببدء العيش والسير والحركة..
فهو نائم..ثابت..مغمض العينين..تائه بين ارهاق جسده وفقدان القدرة على السقوط في بئر النوم..فهو يرقد ويحاول أن ترقد روحه وتسكن نفسه..

ربما لو رأي كيف أن الناس يتكاثرون حول عربة الفول الملونة ويتدافعون لتزويد أجهزتهم بالوقود..ربما لو رأي الحركة المطردة للسير في آن واحد كل صباح..لربما علم كيف أنه ضد المخلوقات كلها التي تسير بينما هو راقد يغلبه النعاس ولا يكتمل..

ربما لو علم كيف أن الصباحات توّلِد آمال اليوم كل يوم لكل الخلق..لربما استيقظ وقطف من  أرزاق اليوم طيف رحمة ولربما شعر بلمحة حنان صافية تقربه من الأرض..

ربما لو ذاق قهوة الصباح التي تحتسيها أمه منذ عشرات السنين بذات المكان بالشرفة وهي تحدق في تفاصيل الصباح وهي تتمنى كل يوم لو استيقظ..لو ناولته فنجاناً ورأت تقاسيم وجه في ضوء النهارد- لربما حن الى رشفة من يديها..ربما لو استمع الى مذياع قديم ما زال يشدو ببرامج طيبة بسيطة كطيبة وبساطة الإشراق- لربما أراد ان يبتسم للأمل الذي يلوح في آخر أي طريق..

ولكنه لا يترك الفراش..يُغَيّر النوم على كل جانب وحال، علّ الراحة تأتي لتتولى أمر الفراش العاص..

يغير وضع الوسادة علها تزرع بعقله غياب..

تؤرقه رائحته ولكنه يقرر تجاهلها مُعلناً أنه لن يغتسل فيستفيق..فهذا وقت نوم..

يسمع صوت طرقة الباب اليومية..ويسمع صوت الباب يُفتح ككل يوم..ويسمع حارس العقار يقول بنشاط يتعجب له كل مرة: "صباح الفل يا حاجة..جبتلك العيش السُخن"..ودون أن يستمع الى رد أمه..يعرف انها ستقول له أن الله سيبارك فيه وستطلب منه أن ياخذ ما تبقى من النقود..ويتذكر..ما بين غفو واستيقاظه أنه لم يذق الخبز الساخن لأعوام طويلة..فالليل ليس وقت خَبز ولا رَق..فالليل ليس وقت إفطار..

ويأخذ نفساً عميقاً ويغوص بجسده في فراشه أكثر..

ويتذكر "سلمى" ويتذكر أول مرة طلب منها اللقاء عندما أجابته: "بس احنا بالليل أوي" فأجابها بفخر: "أنا مخلوق ليلي"
ويتذكر أنها كانت تشعره كلما رآها وكأن الصباح قد لاح في عينيها وكأن الشمس قد أشرقت على شعرها وكأنه قد تلاقى مع كل المخلوقات التي تسعى من أجل حياة حينما يُلاقيها..فقد أحب ما بها من نهار يفتقده..ويتذكر كيف خسرها..فقد أثارت فيه رغبة في الخنوع للضوء..خنوع لم يكن يريده ولم يؤمن يوماً أنه فيه..فألبسها ليل دامس لم يكن فيها..وتركها وهو يكرر على نفسه كل ما ليس فيها..عله يقتنع..عله يصدق..عله يرتاح..عله ينام..


ويسمع صوت أحد الباعة ينادي على شئ ما..فتنتبه حواسه..فيشعر بحاجته للقيام – مرغماً – الى الحمّام..ويقوم متثاقلاً..مقطباً..يفتح عينيه قليلاً وكأنه يمنع الضوء من الدخول ولا يسمح لعينيه بالاعتراف بالنهار..ويدخل الحمّام..ويلمح وجهه بالمرآة..ويرى وجه بحال تَعِس..فينظر الى وجهته ويقضي حاجته ويرحل دون أن ينظر الى المرآة مرة أخرى..
ويرمي بجسده على فراشه..ويحاول ثانية..أن لا يسمع المذياع وأن لا يشعر بأمه وأن لا يشم رائحة القهوة..

وتمر الأوقات التي تُرسم فيها الخرائط وتوزع فيه الارزاق وتُكتب فيها السِيَّر..ويتسلل الخدر الى أوصاله..فيذهب في لا وعي طويل..

حتى يستيقظ مساءً ليبدأ حياة أناس آخرون..ويمشي بطرق مختلفة..ويشعر بإيقاع ونهايات الليل ويأخذ نصيبه من أرزاق الليل..حتى ينتهي من يوم في حياته الليلية..

لينجح نائم النهار في الهروب يوم آخر..من معارك الصباح الودية..


هناك 3 تعليقات:

candy يقول...

جميل كالعادة! :)

رشا ابو السعود يقول...

شكرا ليكي صديقتي الوفية :)

ehab bomman يقول...

اولا
تعرفي خالي الله يرحمه كان بيشتغل سائق في الأهرام كنت صغير ساعتها ومكنتش اعرف اشمعنى هو اللي كان شغله كله بالليل
كنا دايما نروح نلاقيه نايم ولو امي نفسها تسلم عليه تدخل تصحيه وتسلم عليه وتخرج ونادرا ما كان بيقابلنا لو عنده اجازة مثلا
كانت عينه دايما مرهقه وكان هادئ الطباع جدا
افتكرته برغم انه غير بطل القصه

ثانيا
لما بزعل او او يقابلني موقف كنت دايما بنام كأن النوم هو الحل انام ساعات طويله و ابقى مخنوق وخايف الصبح يجي
كرهت النهار علشان بيفتح الصندوق اللي استخبيت فيه ومع ذلك انا بحب النهار جدا لما اكون بعيد عن المشاكل


اخيرا
لو كنت انا مكان خالي وبشتغل بالليل وبهرب من النهار وبنام وانا مكتئب اكيد القصه دي كنتي هتكتبي اسمي في اخرها

اقولك انتي بتفتحي بقصصك خيالات في دماغي وهتجيبيلي حاجه في نافخي الله يسامحك