الأحد، نوفمبر 09، 2014

استعاضة تبدو يسيره


يأخذ بين يديه القطعة التي لا شكل لها..قطعة بيضاوية صغيرة..لونها الطبيعي يميل الى الاصفرار مع قليل من حُمرة وتشوبها تعريقات رفيعة تسري فيها الوان قاتمة تعطيها بعض الحياة..

يأخذ القطعة بين يديه ويحركها يميناً ويساراً..ينظر اليها من اعلى ومن اسفل وكأنما يبحث عن مُدخل فني يبدأ من عنده الحفر والتلوين..
ثم يتركها مصفوفة وينظر الى القطع الأخرى المماثلة..فربما يجد قطعة أفضل..فيجد بعضها صغير جداً ويجد البعض الآخر أكبر بكثير..ثم يعاود الامساك بها..

يأخذ قلماً سنه مدبب كمنقار طائر أسطوري صغير..يغمسه في اناء به لون اسود اكثر قتامة من أي سواد آخر..يمسكه بحرص ويرسم على سطح القطعة خطوطاً رفيعة..أسماء وكلمات يكتبها بخط جميل مميز أسفل القاعدة ليعرفها ويعنونها ويقولبها بزمن ومكان ووسم.
ويتركها..وينشغل بعمله..حتى ينوي الرحيل فلا ينسى قطعته الجديدة..فيحملها بحقيبته التي يعلقها بجانب قلبه..يمشي في طرقات متعرجة كثيرة الثنايا ويقضي الأيام يرتحل بين المدائن مفعماً بالحماس تارة وممتلئاً بالبؤس تارة أخرى..

وحين يرتكن الى حائط متهدم بمنطقة نائية طلباً للراحة..يتذكر ما بحقيبته..يفتح الحقيبة وينظر الى القطعة التي لم يلمسها الا لعنونتنها عنواناً يدل على امتلاكه اياها، يجدها وقد بهت لونها قليلاً..يقلبها بين يديه..مهتماًً- فجأة- فقد تذكر لتوه انه كان يحملها على كتفه بالقرب من قلبه طوال الرحلة..فيجد ان بها انبعاج خفيف..يبحث بذاكرته عن السبب فيتذكر حين تعثر في طريق صخري قاس وسقط وسقطت معه الحقيبة..يتذكر ان ساقه قد جُرحت وظل يومين يطببها حتى استطاع السير ثانية ومواصلة الرحلة..ويبحث ثانية فيما قد اصاب القطعة الملساء ليجد شرخاً في مقدمتها..شرخاً رفيعاً بالكاد يلحظ لكنه يقسمها من المنتصف وبزاوية تطال أدناها..شرخاً لن يندمل..فيحمد الله ان الشرخ لن يكسرها..ينظفها بطرف ثوبه ويعيدها بالحقيبة بحرص..

وبعد أن يرتاح ويكمل السير يصل الى محطة ما بها ورشة صغيرة تشبه بيته..ويجد فيها الواناً ودهانات وأدوات نقش..يُخرج القطعة ويلقمها خرزاً ويدهنها لوناً لامعاً براقاً ويحفر عليها نقوش عميقة ويلونها بألوان زاهية محببة..ينظر اليها في زهو ومحبة..يتركها في الهواء كي تجف وينظر إليها باعجاب..بصنعته..ويقسم أن يعيدها لأمان حقيبته بجانب قلبه وأن يحافظ عليها هذه المرة..لكنه يقابل صديق جاء على متن سفينة ذات ألف شراع..جاء فقط كي يكون مع صديقه الودود..وهو مخلص..فيطعم الصديق ويؤوي الصديق ويُكرم الصديق..ويتفق الصديقان على اعمال ومشروعات تخدمهما مدى الحياة وتعدهما بالرخاء والثراء..فيستيقظ صاحب القطعة صباح كل يوم لخدمة مشروعاته الجديدة وينام كل ليلة على أمل الاستيقاظ لمعاودة خدمة مشروعاته الجديدة..

حتى يستيقظ يوماً ويجد أن مشروعاته الجديدة قد رحلت مع  الزائر الذي تركه نهار يوم جمعة، تاركاً وراءه قميصاً متسخاً قد سقط تحت فراشه..ورحل الزائر وقد ترك صديقه غارق في خذلان الآمال التائهة..فيبكي الصديق وينتحب..يبتئس وييأس..وفي احدى الأمسيات ما بين نوم واستيقاظ،  يتذكر القطعة الملونة الزاهية التي تركها تجف منذ شهور ونسي امرها..فيقفز من فراشه مسرعاً الى الرف القديم..ليجدها في مكانها بذات نقوشها وتوقيعه ورسوماته والخرزة الملقومة في مكانها..يرى القطعة وقد اعتلتها طبقات من الأتربة..فصار زهوها رمادياً كلون دخان الكانون..فيهفو اليها ويحملها ويمسك بها باعتناء ويتجه الى الصنبور فيفتحه عن آخره ويترك المياة تنهمر عليها ويساعد الأتربة ان تذوب عنها بحركات حنونة من يده..حتى إن أينع لونها مرة ثانية وأشرقت بنظافتها، لثمها بطرف ثوبه مجففاً إياها..

وتزوره الابتسامة لأول مرة منذ رحيل الزائر..يرى القطعة التي حقق وجودها وأعطاها عنواناً وإسماً وهوية وألبسها ولونها وأحياها..فيبتسم بحب واعتزاز وياخذ قلماً ازرق وقلم أحمر قاني..ويرسم للقطعة عيون وشفاه..يرسم رسماً دقيقاً بزاوية تجعل العيون تنظر بصدق واهتمام ورؤية..يرسم خطوط الشفاه لتنطق بابتسامة مُحررة مؤكدة مؤمنة..وينظر الى رسمه..ويبتسم بدوره ان اصبح له خليل مضمون لن يرحل ولن يتفوه بالوعود ولن يأخذ للطرق الوعرة الصخرية حيث التعثر والجروح..

يفرح وينسى بؤسه..يودعها حقيبة مقتنياته..ثم يذهب الى السوق ليشتري طعاماً..فهو يريد أن يشبع ويمتلئ ثم ينام..ينام ساعات طويلة مثقلاً بالطعام ومخففاً عن نفسه ثقل قسوة أيام سابقة قضاها بلا مؤن أو نوم..ينام بعمق لم يسمح لعقله بالحلم أو بالإفاقة على صوت ارتطام القطعة ارضاً ثم التقاط السارق لها وللحقيبة والرحيل بسرعة قبل استيقاظ النائم وانكشاف الأمر..

ويستيقظ صباح اليوم التالي..ويبدأ يومه..ويسعى..وينتصف اليوم ثم يأتي المساء وحين يذهب لالتقاط الحقيبة لا يجدها..ينظر حوله ملتاعاً..فهي بها أدواته..وماله..وأوراق هامة..وبها القطعة..

يجلس في ركن ما..يفكر ماذا سيفعل بعد الخسارة الكبيرة..

فيقرر أنه سيقترض مالاً من صديق قديم ليشتري أدوات جديدة ويقرر أن يذهب الى بيت القضاء ليستخرج أوراق جديدة..فيرتاح لقراراته واستعاضة تبدو يسيره..

فيأكل حتى يمتلئ..وينام..



هناك تعليق واحد:

ehab bomman يقول...

.......
طب اقول ايه عن الحكي بين السطور عن الفوازير المؤلمه
عن التبنيه المستخبي
لما الواحد بيختار حد يكون معاه في رحلته يرسمها وينحتها حسب هواه يشكلها حسب ما يعجبه ويحفظها في جرابه ويلزقها جنب قلبه حتى صدمات الحياه اللي بتجرحه بتكسرها وتشاركه المه
ويسيبها ويتلهى في الدنيا والفلوس والأحلام
لحد ما يفكر فيها تاني بس متأخر قوي الحته الطريه اللي سابها جفت من قلة اهتمامه حد ميل عليها خطفها
ومش شرط يسرقها ويجري ممكن شوية ميه واهتمام يخلوها هي اللي تروح للحرامي

ربنا يعافينا جميعا

حلوة الصورة بتاعة انه وقع وهي اتشرخت معاه