الخميس، يناير 21، 2016

لحم - انها تكره البسطاء


نظرت طويلاً إلى أولادها الثلاثة النائمون في أسرتهم..لم تكن غنية ولكنها كانت تعيش بمظهر الأغنياء..

حتى الأطفال يظهر عليهم الغنى..ولم يكن غناهم من فاخر الثياب ولا أنيق المقتنيات..بل كان مظهر الثراء يوحى الى الناظرين من شكلهم المائل الى الملامح الأوروبية، فإبنتها شقراء كعرائس الباربي..وأبناءها ذوي عيون خضراء تخطف الأنظار..وكانوا جميعاً كأنهم أشخاص تم اتقان رسمهم بلوحة من لوحات القرن الثامن عشر.

وهي، سيدة ناعمة المزاج والجلد والهيئة والتصرف..اعتادت على مظهر الغنى وتميزها في أعين الآخرين، رغم أنها لم تكن تتطلع في المعتاد إلى غنىً حقيقي..فعندما كان زوجها يحاول الحصول على فرصة عمل ثانية بجانب وظيفته الأساسية حتى ينفق على أولاده بأريحية، كانت ترفض وتقنعه أن وقته معها أقيم وأهم، وأن قليله يكفيها ويزيد..إلا أن ضيق ذات اليد لم ينجح في حضرتها في أن يلقي بظلاله على بيتها ولا مظهرها، فكان البيت بسيطاً أنيقاً.

ومات الزوج في حادث وأصبحت تجاهد شيئاً فشيئاً في الحفاظ على بساطة حياتها الأنيقة..فما كان منها إلا أن باعت العديد مما تملك حتى تطعم أولادها، حتى جاء الوقت الذي أنصتت فيه باهتمام لنصائح جارتها مدام عواطف.

مدام عواطف  غير جميلة وغير متسقة إلا أنها شديدة الجاذبية..كان كل أزواجها من الرجال الشباب شديدي الوسامة، وكان اعجابهم بها محل تساؤل أناس كثيرين...
وبعد أشهر من موت الزوج، زارتها مدام عواطف وجلست بجانبها وهي تحتسي القهوة، وقالت: " حتأكلي ولادك منين؟ أنا مش بسألك..أنا بقولك إن جه الوقت تسألي نفسك السؤال ده..حتأكلي ولادك منين؟" كادت أن تجهش بالبكاء، فقد كان السؤال مكتوماً بداخلها كبركان خامد سأم انتظار لحظة الانفجار. كانت خائفة، فلم تكن قد عملت قط إلا فقط بصنع بعض الوجبات المنزلية وبيعها لزملاء الزوج اللذين كانوا يقبلون جداً على شراء وجبات من صنع يدي "الخوجاية" أو "بنت الباشا" كما ظنوا عنها دائماً رغم محاولات الزوج المستمرة وقسمه لهم أنها مصرية. لم تعرف كيف ستتمكن من تربية الأطفال وتعليمهم حتى يكبرون. جلدتها جارتها بالسؤال، وجلدها الرد.
أطرقت وهي تغالب الدموع وقالت: "مش عارفة والله يا مدام عواطف". وسارعت مدام عواطف بالحل وقالت: "هو حل واحد مالوش تاني..عريس..وعريسك عندي" وهمت في مهاجمة جارتها التي انعدم احساسها وتجرأت على اقتراح الزواج بعد موت حبيب العمر، إلا أن "مدام عواطف" سارعت قائلة: "عارفة..من غير ما تقولي..حتقوليلي جوزي لسه ميت وده حب عمري وابو العيال وحاعيش عمري خدامة تحت رجليهم وكلام الأفلام ده..وساعتها حطبطب عليكي واسيبك وانا بقول في سري انك غبية وهبلة..بس انا مش حاعمل كده..انا بقولك اهوه..متبقيش غبية وهبلة. عشان انتي لسه مجربتيش يعني ايه ابنك يروح المدرسة جزمته مقطعة، ولا يعني ايه تنزلي تشتغلي عشانهم فواحد معفن يمد ايده عليكي ويستحل لحمك..خليكي عاقلة..كده كده راجل حيصرف عليكي..اعمليها بكرامتك وانتي لسه مستورة بدل ما تحفي على واحد ومش حتلاقي ساعتها". وبكت كما لم تبكي من قبل..بكت موت الزوج، وبكت حظها التعس، وبكت غلاوة الأطفال، وبكت مرارة الحقيقة، كما بكت بغضاً للسيدة التي ظنت أنها لطيفة.
لم يطول الزمن قبل أن تدعوها الجارة عدة مرات لقضاء المساء ببيتها والتعرف على أصدقائها. وقدمت لها رجل ثم الثاني ثم الثالث...وكانوا يملّون منها، فهي لم تكن جذابة على الإطلاق..كانت صامتة..خائفة..مشمئزة..وحزينة..تفكر طيلة الوقت في زوجها، حتى غضبت منها "مدام عواطف" يوماً وطردتها من بيتها بعد أن صرخت الأرملة بها وتعالت عليها بنقائها وعايرتها أن الرجال يأتون إلى بيتها بحثاً عن نساء.

وأصبحت وحيدة..لا ترى رجال ولا نساء..وباعت كل ما تبقى من بيتها إلا فرشة قد وضعتها على الأرض لتسعها هي وأولادها الصغار، وتلفاز أبيض وأسود صغير على منضدة خشبية، وموقد.

بحثت عن عمل في عدة محال ومكاتب، وكانوا يعجبون بمظهرها ولكن يضيقون بقلة خبرتها، حتى لم يبق معها ما يكفي لشراء طعام..فعادت إلى طرق باب مدام عواطف، التي احتضنتها بلا عتاب وعرّفتها على عماد.



كان عماد رجلاً في السبعين..حلو الحديث..فاحش الثراء..منحني الظهر قليلاً..ذو عينين صغيرتين جداً يشعان ذكاء وحنكة..وكانت يديه تتحسسان يديها دائماً فتشعر وكأن سحلية قد مرت علي راحتيها. كانت يديه عجوز..كانت أكثر ما فيه عجزاً..يدين كهل..يدين موت..
وتزوجته..وتزوجت يديه ذات الألف عِرق..
وكانت الليلة ما بعد ليلة زفافهما هي أول ليلة تسمح بيديه أن تتعرفا على جسدها..ظنت أنها لن تشعر بالتقزز في الظلام الدامس..إلا أنها شعرت..ليس فقط بالتقزز..ولكن بألم كبير..
فكانت لمسته هي ذات لمسة "اسكندر"..تذكرت اسكندر الذي كان متوراياً تحت طبقات عديدة من سدود الذكريات..

كان اسكندر رجلاً في السبعين..ابيض الوجه والشعر واللحية..كان ذو أصول يونانية..وكان يعمل بصيانة المنزل، فكانت تطلبه أمها  كلما أرادت تغيير أسلاك بالمنزل أو إصلاح كرسي أو تركيب محبس..كان يعاني فشلاً بالكلى وكانت أمها تعطف عليه وتعالجه عند أحد أقرباءها.
كان اسكندر رجلاً عجوزاً يعمل مع كل أفراد عائلتها لسنين عديدة حتى أصبح شخصاً مؤتمناً على المنزل. احتارت في تذكر أول مرة لمسها..ربما كانت في التاسعة من العمر أو العاشرة..كان ثديها لم ينمو بعد..كان على وشك النمو..وكانت بالحمام تغسل يديها عندما وقف خلفها والتصق بها..او كانت تأخذ شيئاً من دولاب ملابسها عندما أحست بملاصقته لها. لم تبتعد. ظلت مكانها لا تعرف ماذا تتوقع أو ماذا تفعل. أهو اهتمام. هل يداعبها. هل هذا مزاح. تساءلت لوقت قصير قبل أن يلمس صدرها ويضغط ضغطاً شديداً. عندها جرت إلى غرفة أخرى، أما هو فقد ذهب ليجلس مع امها ليحتسى الشاي الذي أعدته له عطفاً. 

قررت أنها لن تقول أي شئ..فأمها دائمة الاتهام لها بأنها مغرورة وتعامل البسطاء بجفاء..كانت تعلم أنها ستظن أن ما تقوله كذب لأنها مغرورة وتكره البسطاء. لم تثق في حكم أمها لأن أمها لم تنصفها يوم. لم تثني عليها يوم. لم تصدقها يوم. كانت أمها شديدة الشك واللوم والانتقاد. لم تكن أمها حليفتها فآثرت الصمت. وكان أبيها يعمل بالعراق منذ سنوات طويلة ولم يسمع عنه أحد أي خبر منذ أمد طويل. لم يكن أباها موجوداً ليكون لها حليف بديل. فآثرت الصمت. وآثرت التصنع بأنه كان يلهو معها..فقد كانت بعمر أحفاده. قالت لنفسها أن ما فعله حب. تماماً كما تقرص خالتها وجنتها الوردية. نعم..هو يحبها ويلهو معها بطريقة غريبة كما هو حال الكبار. 
ومرت الأيام وعاد بعد شهر لإصلاح أشياء أخرى، وصرخت في أمها أنها تكرهه ولا تريده أن يزعجها بالبيت، فاتهمتها أمها أنها متعالية حقودة تكره البسطاء..ونهرتها لعدم احترام سنه الكبير وهو يعمل مع العائلة كلها منذ عشرات السنين.

وجاء مرة أخرى وضحك لها بأسنانه البنية القديمة ونظر لها نظرة مختلفة من تحت نظارته شديدة السُمك التي تكاد لا تظهر عينيه. ووقف وراءها مرة أخرى وقد ثنى ساقيه ليقترب من قصرها ويطالها أكثر..وتحسسها بيديه الميتتان وغرس أصابعه ذات الأظافر الطويلة في مكان صدر لم ينمو..وشعرت بأجزاء منه لم تكن تعرف ما هي. ثم تركها وذهب ليشرب الشاي الذي أعدته أمها وهي تغسل الصحون بالمطبخ.

كانت لعماد يدين مثل اسكندر..جافتين..عجوزتين..قاسيتين..يهويان غرس أناملهما بلحمها اليافع..كانا ينهشان ولا يلمسان..
وكما سكتت وسكت لحمها بين يدي اسكندر..
خرس لحمها بين يدي عماد..



الثلاثاء، يناير 19، 2016

لحم - حتة سما

علموها ان الجدعنة سر النجاح في الدنيا ف كل حاجة..الناس بتعمل حساب للغني أو القوي بس مش لازم تحبه ولا تقف معاه..انما الجدع يفدوه ويبقوا ف ضهره..وف حتتهم ده المهم..الضهر اهم حاجة..الجدعنة اهم من ابوها مين وامها منين..الجدعنة أهم من حلاوتها..اخواتها الصبيان علموها كده.

قالولها خليكي راجل يا بت..

بصت في المراية لقت بت عينيها ناعسة..كحلها سايل شوية..شوية مش كتير..وشفايفها تخينة وغامقة رباني..وعودها طويل..مالت قدام المراية كأنها بتشوف اذا وسطها لسه ممكن يميل..لقيته بيميل..عدلته وبصت في ملامحها قوي وكشرت..ماقتنعتش بشكل التكشيرة..افتكرت صلاح اخوها الكبير اما بيغضب عليها..كشرت وبصت في المراية لقت عينيها قاسية وملامح وشها اتغيرت..بصت للتكشيرة قوي وحفظت خارجة منين..وعرفت انها حتبقى سلاح من أسلحتها زي ما الاحمر والاخضر اسلحة النسوان..شدت كتافها وحلفت لتبقى جدعة..أجدع من صلاح..

كل يوم كانت بتشد الايشارب على كحكة شعرها البني..امها قالتلها: "أوعي تقصيه يا بت..الرجولة ملهاش دعوى بالشعر..ومسيرك تتجوزي يا روح امك..ومفيش قارعة بتعمر في جواز".

فكرت كتير بتسمع كلام أمها ليه..ما تقصه طالما عايزة تقصه..كانت بتحب شعرها بس مبتشوفوش..والبعيد عن العين يحبه القلب ازاي..
لكن اديها بتريحها..وكمان...ما يمكن يحصل في يوم..تبقى زي صاحباتها..جدعة ومتجوزة..فيها ايه..ما في معلمين ستات ومتجوزين..اي نعم رجالتهم بيبقوا خرعين شوية..وهي متحبش الراجل الخرع..تحب الراجل الجامد الشهم زي اخوها أحمد..انما ممكن يعني..زي طارق صاحب أحمد..طارق جامد..وقلبها بيتخطف اما بتشوفه..بتقطع النفس لثواني..بتدروخ سِنة..وعشان محدش ياخد باله..بتكشر تكشيرة صلاح..وطارق لا بيضحك ولا بيكشر..بيبصلها بصة مش عارفة تترجمها..ومش مهم تترجمها..هي بس نفسها يبص بصه اطول شوية..شوية مش كتير..

وقفتها في المحل علمتها كتير..عرفت ان التجارة قايمة أصلاً ع السرقة وكشف السرقة..الشاطر يسرق اكتر..الشاطر يقفش الحرامي من غير ما يخسره..فكلامها بقى قليل واحساسها اكتر..وقفتها في المحل خلت كل الناس عارفاها..وبعد سنة والتانية بقوا الناس بيتحاكوا عن جدعنتها..تقف في وش الواطي، تاكله! وتقف مع الضعيف لتاكل اللي اخد حقه..وتحب العيال وتديهم اللي فيه القسمة..
وتخرج من صباحية ربنا لحد نص الليل..في وسط حتتها وضهرها ومالها..



وترجع بالليل تفك الايشارب وتترمي ع السرير..تضلم الأوضة..وتفتح الشباك..وتبص للحتة اللي باينة من السما ما بين بلكونة البيت اللي قصادهم وما بين سطح البيت اللي جنبه..تلاقي مرة نجمة..مرة هلال..مرة ضلمة وبس..كده كده هي شايفاها سما..
تفكر في ضهرها اللي واجعها..وتفكر في لحمها..مش بتحس بيه..وهي عارفه ان فيه احساس..ما هو ما بيتلمسش..بتفكر لما تتجوز وجوزها ينام جنبها..حتفتح الشباك..وحتضلم الأوضة وحتبص لحتة السما اللي حتبان وقتها من بيته..اه..لازم بيته يكون بيطل على حتة سما..تغمض عينيها وهي عارفه ان ايد حتحضنها وهي نايمة..اكيد السما حتبقى احلى..اكيد كل حاجة حتبقى أحلى..ان شاالله حتى شوية..شوية مش كتير..
طب ولو مبيحبش يحضن حد وهو نايم..يا باااي..يبقى مقلب..طب وشعرها اللي مفرود ع المخدة..لو قالها تلمه عشان بيدخل في عينه..
وتفضل تفكر وتتخيل وتفشل في الاحلام لحد ما تنام..وتصحى تاني يوم لوحدها من غير منبه..لما حتة السما تدخل مسطرة شمس تضرب عينيها..
تشرب الشاي مع امها..تسمع منها اي كلام وتقولها اي كلام وتاكل وتنزل..

يوم ما عدى عليها طارق وقعد قدامها ع المكتب يطلب بضاعة..تكشيرتها مفارقتهاش..وهو ولا كأنه شايف النظرة الرخمة والتعبيرات القرفانة اللي مرسومة على وشها..لحد ما قاموا تفرجه على بضاعة ومد ايده وهو بيكلمها ولمس ضهرها..كأنه مش قاصد..او يمكن مش قاصد..التكشيرة اتبخرت..ووشها بقى من غير تعبير خالص..لا حلو ولا وحش..ومبقتش سامعه بيقول ايه..ولا شايفة اوي ايه اللي بيجرى حواليها..اتلمست..لحمها اتلمس..اصل اللي مش بيتلمس بيبقى حساس زيادة..ودي التكشيرة كانت مغطية وشها وجسمها..مش وشها بس..
تاهت منه شوية..ورجعت تاني تحاول تكشر..كانت حاسه بعضلات وشها متأزمة..مش عارفة تجيب تكشيرة صلاح..مش عارفة تفكر أصلاً...
ليلتها بطلت تفكر في الايد اللي حتحضنها..بقت تفكر في إيد طارق..وفكرت..هي اتكهربت ليه..عشان حسها عالي من قلة اللمس ولا عشان هو اللي لمس..

كانت واعية..فاهمة الدنيا شوية..وغاوية تسمع حكاوي صاحبتها..كانت فاهمة ان فيه ناس بيتهيألهم انهم بيحبوا وهما مش بيحبوا..وكانت عارفه ان الاحساس درجات..وكانت بردوا عارفة ان قفلتها على نفسها وحشة..

وجه طارق تاني وتالت..وفرجته على بضاعة مرة واتنين..وملمسش ضهرها بالغلط -لو كان بالغلط يعني- ومبقتش شايفه حاجة ولا سامعة حاجة طول ما هي معاه..غير انها مستنية يغلط تاني..شوية..مش كتير..



لحم – تحت الماء



 كان الكبار يقفون بتردد على شاطئ البحر..أما هي فكانت تلقي بحذائها وهي تجري تجاهه، حتى اذا وجدت المياة ألقت بنفسها على مزيج الرمال والماء الذي يسبق العمق المتدرج للبحر..والذي يمهل الناس وقتاً للتفكر قبل التسليم للغمر التام.

كانت في السابعة..لا تبني بيوتاً من رمال ولا تحب أن تلعب بها، فكان التصاق الرمال بجسدها يضايقها..كانت تحب أن تلهو على مشارف أول موجة صغيرة ببحر الأسكندرية..تلك الموجات الباردة التي تهرب منها أقدام المنبهرين دائماً باقترابهم من المياة الزرقاء.

كانت في السابعة.. تضحك للشمس ولا تخاف حرارتها، وتتجرأ عل  البحر وتتحدى موجه بالدخول لعمق أكبر من طولها حتى إذا فزع قلبها من فقدان الأرض تحركت كالجرو الصغير باتجاه الشاطئ لتلمس قدماها الرمال مرة ثانية.





كانت في السابعة..تُحدث البحر وتغني بصوت خافت وهي تدور وتلعب بالماء..وكانت تنظر الى أمها وأقاربها اللذين يتسامرون تحت مظلة قريبة منها، وتتسائل كيف يبقون على الشاطئ ويتركون جمال التمتع بالماء..حتى امتدت يد شاب من تحت الماء ليلمس فرجها..فانتفضت تصرخ بصوتها الصغير وهي تبكي: "عيب كده!" فابتسم بشبق وقال: "مش قادر..اصلك حلوة اوي". اتجهت سريعاً الى الشاطئ تبكي..لا تعلم لِمَ تبكي..لا تدرك أبعاد الانتهاك..أو مدى الجرح..أو قوة الإهانة..أو معنى التعدي..فقط شعرت بألم كبير بصدرها وخوف أكبر..جرت في اتجاه أمها..واقترتبت منها دون أن تنطق بكلمة..كانت فقط تنظر اليها وكأنها  تستجديها أن تعرف ماذا حدث دون أن تقول..فلم تكن تعرف ماذا تقول..أو كيف تشرح..ولم تكن متأكدة أنها بريئة تماماً من أي ذنب ..وسكت المدع مع سكوت لسانها..واطرقت..

وجلست على الرمال تحت أقدام أمها..مولية لها ظهرها..فالتصقت بساقيها ويديها الرمال..ظلت تنظر الى الحبيبات التي غطت جسدها..فلم تجري باتجاه الماء لتغسل الرمال عن جسدها كما اعتادت..بل اعتدلت وظلت تحفر بيديها في الرمال..تحفر خندق صغير تجاوز الطبقة الساخنة من الرمال..وانهمكت في الحفر وكأن لها مقصد محدد..وكأنها تلعب بالفعل..وظلت تحفر وتحفر بنفس إيقاع تهدج أنفاسها حتى وجدت طبقة رمال باردة رطبة..بها أثر من البحر..فسكنت..ووضعت في الخندق قدميها..ثم أراحت في خندق الرمال والبحر راحتيها..